رامي عبده

ومع احتدام الأزمة المالية، يواجه أكثر من خُمس سكان إيرلندا مشكلة عدم القدرة على الوفاء بمستحقات القروض العقارية، كما زاد معدل البطالة عن 13 في المئة، فيما يحلق العجز في موازنتها الى ما فوق 30 في المئة من إجمالي الناتج المحلي.
لقد عبّر لجوء إيرلندا، عقب اليونان، إلى طلب حزم إنقاذ مالية من رئاسة الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي عن العواقب الوخيمة للسياسات الحكومية المالية والنقدية. سمحت هذه السياسات بالتوسع في الإنفاق والاقتراض على المستوى الحكومي. كما سمحت أيضاً بتوسع اعتمادية المصارف على الاقتراض، ما سبّب تشوّهاً حقيقياً في هياكل رأس المال.
ورغم أنّ الاعتمادية على الدين العام لا تمثل حالة خاصة بدول الاتحاد الأوروبي، إلا أنّ وضع دول الاتحاد وتحديداً منطقة اليورو وصل إلى مرحلة اختبار حقيقي فشلت فيها المعالجات وضاعفت من حدّة الأزمة. وتشير المعطيات الى ارتفاع حجم الدين العام لحكومات العالم الى مستوى ما فوق 40 تريليون دولار، تتقدمها الولايات المتحدة واليابان بقيمة تعادل 13.8 و9 تريليونات دولار على التوالي.
لقد تنبهت الحكومة الإيرلندية منذ أكثر من عام إلى عواقب الخلل في هياكل المصارف المالية وضخّت مئات ملايين اليورو من أجل دعم القطاع المصرفي. كما اعتمدت خطة قاسية للتقشف، إلا أنّ ذلك أدى في المقابل الى ارتفاع سعر الفائدة على الإقراض، الأمر الذي فشل في وقف تدحرج كرة الثلج. يحدث الأمر نفسه اليوم مع الدولتين المرشحتين لتكونا الضحيتين المقبلتين لأزمة القروض، إذ وصل سعر الفائدة على السندات الإسبانية والبرتغالية الى ما فوق 5 في المئة و7 في المئة على التوالي.
السؤال المطروح الآن هو الآتي: الى أين يمكن أن تأخذنا الأزمة الحالية التي جاءت لتسكب الزيت على نار الأزمة المالية العالمية المتفجرة منذ نهاية عام 2007 ولا تزال تداعياتها صعبة الاحتواء؟ يدرس المحللون عواقب تلك الأزمة على الاقتصاد العالمي وما إذا كان الأمر سيتجاوز منطقة اليورو ليشمل دول العالم قاطبة. إلا أنّ ما يمكن الجزم به هو أنّ التداعيات على القارة الأوروبية ستكون كبيرة، وفرص المعالجة لن تكون إلا على المدى الطويل.
وإذا ما قدّر لمعالجة الأزمة على المدى الطويل أو المتوسط النجاح، فإنّ ذلك يعتمد بالأساس على عاملين رئيسيين. يتمثل العامل الأول في مدى قدرة الدول الأوروبية على المساهمة في تغطية تكاليف خطط الإنقاذ المتوقع تتابعها في الأشهر، بل ربما في الأسابيع المقبلة. تدرك الدول الأوروبية الأكثر حصانة حتى الآن من تداعيات الأزمة مثل ألمانيا وبعض الدول الاسكندينافية، أهمية أن تعمد الى إنقاذ ما يمكن إنقاذه. يعود ذلك إلى علمها بأنّ انهيار الوحدة الأوروبية النقدية يمثل رهاناً وتحدياً كبيراً لها، وإلا فإنّ العواقب الاجتماعية والاقتصادية ستكون كبيرة وربما تؤدي الى انهيار الاتحاد الأوروبي. إلا أنّ هذا الإدراك يقابله تململ في العديد من الأوساط الرسمية الأوروبية من الاستمرار في تحمل عبء السياسات الخاطئة للدول الأخرى. هذا إلى جانب الأصوات على المستوى الشعبي التي ترفض توجيه أموال دافعي الضرائب الى مساعدة دول أخرى أو إلى القطاع المصرفي.
أما العامل الآخر فيتمثل في مدى قبول شعوب تلك الدول الأوروبية لما تسميه هيمنة الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والانتقاص من سيادتها. ترتفع مثل هذه الأصوات بقوة، كما في الحالة اليونانية وحتى في الحالة الإيرلندية. والمعروف عن الشعب الإيرلندي رفضه التاريخي وحساسيته لأيّ انتقاص من سيادته. يضاف إلى ذلك قدرة الحكومات الأوروبية عموماً، بما فيها تلك المتعرضة للأزمة مباشرة، على تحّمل إجراءات التقشف القاسية والمعايير التي يطالب بها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي، وخصوصاً في ضوء ما شهدناه من احتجاجات صاخبة في فرنسا عندما أعلنت رفع سن التقاعد من 60 الى 62 عاماً، بغرض التحكم بالإنفاق، اضافة الى التظاهرات الأخيرة في كلّ من بريطانيا والبرتغال واليونان.
* محلل مالي فلسطيني