لم يكن العالم العربي يحتاج إلى الانتظار كلّ هذه السنوات لمعرفة حقيقة مشاعر طغاته وتوجهاتهم. الأمر أوضح من حقيقة التحالف الأميركي ــ الإسرائيلي ــ السعودي الحالي. لكن هناك ما هو مهم: إنّ أسوأ ظنّ عربي شعبي بحكّامه مُحقّ وغير مُجحف البتّة. كما أنّ الوثائق المنشورة تعزّز صوابيّة نظريّة المؤامرة ــ بنسقها المتطرّف ــ لفهم ما يجري حول الشعب العربي. الوثائق هي تأريخ لحالة من الارتهان الذي تخضع له الأنظمة العربيّة إزاء الإمبراطور الأميركي


أسعد أبو خليل *
إنّ واقع ارتهان الأنظمة العربيّة لواشنطن لا سابق له. لم تكن أنظمة المحميّات الخليجيّة في حقبة الإمبراطوريّة البريطانيّة على هذا النسق من الارتهان الذليل. أبشع صورة للحكّام العرب تظهر في هذه الوثائق. وتظهر أيضاً درجة استيراد كلّ المصطلحات التي يستعملها الحكام العرب في أحاديثهم الخاصّة من الصهيونيّة الأميركيّة. إنّ كل اتهامات عتاة نظريّة المؤامرة في العالم العربي محقّة وأتت الوثائق لتثبتها. لكنّ العالم العربي دخل فجأة في إعلام ما قبل عصر الفضائيّات: محطة «العربيّة» كانت تتحدّث لحظة بلحظة عن قرب إصدار الوثائق، وعندما صدرت، التزمت الصمت المُطبق. موقع «العربيّة» انشغل بما هو أهم: خبر عن وجود لنجمة داود في مبنى تابع لشركة الطيران الإيرانيّة، وخبر آخر يوكّد أنّ الملك السعودي (قال عنه مسؤول إسرائيلي في واحدة من الوثائق إنّه «لا يكره إسرائيل») مشى على قدميه. «الجزيرة» نشرت خبراً عنهم، لكنّها أغفلت ما جاء في الوثائق عن الحكّام العرب، بمَن فيهم حاكم قطر. ماذا نستدلّ مما نُشر من وثائق؟
في ما يتعلّق بلبنان، لم يُنشر الكثير في اليوم الأوّل (وإن نشرت «الأخبار» بعد ذلك حزمة). سعد الحريري يزور إيران، فيما كان تقرير الـ«نيويورك تايمز» يتحدّث عن حث سعد الحريري أميركا في 2006 كي تغزو إيران. (لماذا تجاهلت الصحافة اللبنانيّة حديث الحريري هذا مع صحيفة الـ«واشنطن بوست» والذي تضمّن إشادة منه بإسحاق رابين (كان أبوه معجباً به أيضاً). لكن هناك ما يلفت عن فؤاد السنيورة في تسريبات الـ«ويكيليكس»، هذا الذي يؤكّد باستمرار رتيب أنّه لا يحتاج إلى فحص في وطنيّته وعروبته (فقط لأنّه مشى في تظاهرة أو تظاهرتيْن أيّام دراسته الثانويّة)، يبرز كصديق لإسرائيل. مدير الـ«موساد» نفسه يشيد به ويشيد بشجاعته ويبحث مع الأميركيّين في طرق دعمه. لن يعلّق السنيورة على الأرجح على ما صدر، مع أنّ «مكتبه الإعلامي» لا يوفّر فرصة للردّ على كل ما يزعج خاطر من أقنع نفسه بأنّه «رجل دولة» فقط لأنّه ـــــ مثل حميد قرضاي ـــــ حظي بتربيت على الكتف من جورج بوش. قد يصدر السنيورة ردّاً مليئاً بالرياء والنفاق، لكنّه لن يعدّل في مضمون ما نُشر (قرّر فجأة أن يدافع عن حزب الله في لندن، ربما دفعاً للإحراج، هذا الذي تستفزّه عبارة «المقاومة»). هذه ليست صحيفة يا فؤاد السنيورة، ولن يستطيع محامي آل الحريري، فريد مطر، أن يقاضي مسؤول «ويكيليكس». لكن لقاء السنيورة مع الجنرال بترايوس كان بليغاً في دلالاته وفي مضمونه: معنى أن يهنّئ جنرال اجتياح العراق رئيس وزراء لبنان المُعيّن من آل سعود على نجاحه في الانتخابات النيابيّة. كان الأمر بمثابة تهنئة مشتركة بين الطرفيْن. لا ندري إذا فُتحت زجاجات الشمبانيا ـــــ على الأرجح لم تُفتح لأنّ السنيورة تحوّل بعد حصاره في السرايا إلى «رئيس مؤمن» على طراز أنور السادات وهو يعدّ العدّة لزيارة
إسرائيل.
وحديث الانتخابات كان لغزاً في نقطة منه عندما يقول السنيورة لبترايوس ما حرفيّته: «عبّر السنيورة عن شكره للدعم الأميركي العسكري المستديم للبنان وشدّد على أنّ الدعم الأمني ساهم في النتيجة الإيجابيّة للانتخابات النيابيّة اللبنانيّة في 7 حزيران». هذا المقطع من الحديث يحتاج الى تفسير: كيف ساهم الدعم الأميركي «الأمني» في إيصال فريق الحريري إلى الحكم عبر الانتخابات؟
دعا فؤاد السنيورة في حواره الإمبراطوريّة الأميركيّة لتضغط ولتتدخّل في شؤون سوريا وإيران. لم يكتف بالتدخّل في شؤون دولة واحدة. وصغار أدوات أميركا في الوطن العربي مُصابون بالغرور إلى درجة أنّهم لا يتورّعون عن إسداء النصح والمشورة إلى الحكام الأميركيّين وكأنّ آراءهم مهمّة أو كأنّها تصل إلى مداولات صنّاع القرار في العاصمة الأميركيّة. فؤاد السنيورة الذي يريد «علاقات نديّة» مع سوريا ـــــ فيما كان واحداً من رموز فريق الحريري الخانع والمُتملّق لسوريا على مرّ السنوات ـــــ لا يجد حرجاً في حثّ الولايات المتحدة على الضغط على حكومتيْن تزعجان إسرائيل.

الوثائق تعزّز صوابيّة نظريّة المؤامرة لفهم ما يجري حول الشعب العربي
فؤاد السنيورة الذي يأخذ على سوريا وإيران تدخلهما في شؤون لبنان (طبعاً، هو لا يأخذ على كلّ الدول العربيّة المُرتبطة بالإمبراطوريّة الأميركيّة تدخّلها الصارخ في شؤون لبنان، كما أنّه لا يأخذ على النظام السعودي إنفاقه نحو مليار دولار لإنجاح الفريق السعودي في الانتخابات النيابيّة الأخيرة في لبنان ـــــ وبالمناسبة، ما هو حجم «الهديّة» التي تغدقها السعوديّة على كلّ رئيس وزراء لبناني جديد؟ أليس من حق الشعب اللبناني أن يعرف؟) لا يجد حرجاً في التدخّل في شؤون إيران وسوريا. ندّ حميد قرضاي في بيروت ظنّ لوهلة بسبب نجاحه في إرضاء إدارة بوش ـــــ أكثر إدارة معاداة للعرب والمسلمين في تاريخ أميركا ـــــ أنّه هنري كيسنجر زمانه من حيث تأثيره على صناعة السياسة الخارجيّة الأميركيّة. السنيورة هذا دعا أميركا ليس فقط إلى مزيد من الضغط على سوريا، بل إلى «استغلال» الانقسام الداخلي في إيران لمصلحة من؟ لم يصرّح السنيورة بما هو واضح في الوثيقة تلك. لكن وثيقة أخرى توضح ما خفي في الاولى. هناك درجة رضاء غير عاديّة من إسرائيل على فؤاد السنيورة. كانوا يصرخون في لبنان: ممنوع التخوين. وكان السنيورة يجزم أن لا أحد يزايد على عروبته ووطنيّته، هذا الذي أدّى أجلّ الخدمات (بصورة غير مُباشرة طبعاً ـــــ لأنّ التخوين ممنوع) للعدوان الإسرائيلي والذي حاصر المقاومة وهي تؤدّي واجب الدفاع عن لبنان، فيما كان فريق الحريري يتضرّع لنصرة عدوّ المقاومة. يقول مدير الـ«موساد» داغان في وثيقة أخرى: «ما هو ضروري هو إيجاد الطريقة الصحيحة لدعم رئيس الوزراء السنيورة». وقال داغان عنه: «إنّه رجل شجاع». لم يحز مسؤول لبناني هذه الدرجة من الثناء من زعماء إسرائيل. أشك أن يكون بشير الجميّل ـــــ أسوأ لبناني على الإطلاق، مع أنّ التنافس على اللقب بات حامياً ـــــ قد حاز هذه الثقة في أيامه البائدة. كما أنّ مسؤول إسرائيل في نقاش عن الانتخابات النيابيّة مع مسؤول في مجلس الأمن القومي الأميركي يعزو نجاح 14 آذار إلى المال السعودي (وانقسام المعارضة). ويحدّثونك في العلن عن الديموقراطيّة وعن الوطنيّة ويهمسون في بيانات 14 آذار أنّ «إسرائيل عدو». يبدو أنّ العدو مُعجب أيّما إعجاب بفريق 14 آذار وهو يتبادل أبحاثاً مُعمّقة في كيفية مساعدته ويعبّر عن غبطته الشديدة لنجاحه في الانتخابات.
لكن حزمة الوثائق من «ويكيليكس»، التي حظيت بها «الأخبار»، فيها الكثير عن لبنان. لو أنّ لبنان ديموقراطي، ولو لم يكن هناك طائفيّة في لبنان ـــــ وهي كفيلة حتى بحماية (سياسيّاً وقضائيّاً) أحمد فتفت وعدنان داوود، لاستقالت نصف الطبقة السياسيّة في لبنان جرّاء نشر الوثائق. يظهر وزير الدفاع اللبناني بأبشع الصور دون أي مُنازع. يشرح موقفه من اجتياح إسرائيل للبنان: «المرّ أعطى توجيهات لسليمان كي لا تتدخّل القوّات اللبنانيّة المسلّحة عندما تأتي إسرائيل» إلى لبنان. ولا يتورّع الرجل الذي أتى بتزكية استخباريّة سوريّة واستمرّ بالحكم بغيرها من إعطاء إسرائيل نصائح لأجل عدم خسارة ما سمّاه «الدعم المسيحي» لإسرائيل. ونصح بتدمير البنى التحتيّة في مناطق شيعيّة فقط. كما أنّ وثيقة عن محادثات المرّ تضمّنت ما يأتي: «قدّم المرّ بعض الأفكار التي تهدف إلى تجنّب توجيه السكان المسيحيّين ضد إسرائيل عندما تحدث الحرب المقبلة مع حزب الله». كما أنّ المرّ اعترف بأنّ الحكومة اللبنانيّة «تثير» الخلافات الداخليّة والصراعات في داخل المخيّمات الفلسطينيّة. وقد عرّف الهدف الأساسي للجيش اللبناني بأنّه «لمواجهة التهديدات الإرهابيّة في داخل لبنان». لكنّ الوثائق تدين طبقة سياسيّة بحالها في لبنان (عن هذا التدافع لإخبار الدول الأجنبيّة بمعلومات تفصيليّة عن حزب الله ـــــ لم يتورّع المرّ عن تقديم معلومات حول قريب لحسن نصر الله)، وليس المرّ هذا فقط.
إنّ لقاءات جان قهوجي وميشال سليمان مع مسؤولين أميركيّين فيها الكثير عن عقيدة لبنان الدفاعيّة الحقيقيّة. القهوجي يشرح أنّ الجيش يقوم بخدمات لأميركا («أنا أكيد أنّكم تريدونني أن أحارب الإرهاب هنا. أحتاج الى الوسائل لفعل ذلك»). والحديث العسكري اللبناني مع الأميركيّين يدور كلّه ـــــ لا نصفه ـــــ عن «الإرهاب» ـــــ بالمفهوم الأميركي ـــــ الإسرائيلي طبعاً. وميشال سليمان في حديثه مع مسؤولين أميركيّين، يبدو كأنّه يبرّر علاقته بسوريا كمن يتعرّض للامتحان أمام ناظر مدرسة. يظهر لبنان في الوثائق كما هو على حقيقته: بلد خال كليّاً من السيادة، يتنافس أهل 14 آذار في إسعاد الأميركي وإخباره. مروان حمادة يجول في عواصم العالم ويقدّم خرائط لأعداء المقاومة بمواقع شبكة حزب الله (ولا ينسى أن يُخبر تيري رود لارسن بالأمر). أما أحاديث خلق بدائل لحزب الله في أوساط الشيعة فهي تدخل في باب التفكهة، لا أكثر. هل هناك أطرف من نصائح سمير جعجع للأميركيّين عن أفضل الشيعة، وعن ضرورة الاستعانة بصبحي الطفيلي؟ ويدخل جنبلاط في هذا الحديث أيضاً ويقترح نصير الأسعد زعيماً شيعيّاً بديلاً لحزب الله (هل هناك من يشك بسحر نصير الأسعد الجماهيري؟).
أما أحاديث بلمار مع الجانب الأميركي فهي تكفي وحدها لإدانة المحكمة وإدانة التدخّل الأميركي السافر في شؤونها. لا يجد بلمار هذا حرجاً من مناقشة أسماء قضاة مع الجانب الأميركي ويشكو من عدم استجابة الجانب الأميركي لطلباته (هل يجرؤ أن يذكر شكواه في تقاريره الدوريّة التي كانت مُطالبة بوصف التعاون السوري مع المحكمة؟). كما أنّ بلمار يطلب صراحة مساعدة استخباريّة أميركيّة وطرق التحقيق مع سوريّين. وهناك تطرّق الى الاستعانة بـ«منشقّين» عن حزب الله في الولايات المتحدة.
إنّ هذه الوثائق لن تفاجئ الشعب العربي. لقد تعوّد منذ عقود درجة فائقة من النفاق من كلّ الأنظمة التي يعيش تحت وطأتها الظالمة. مَن في العالم العربي شكّ ولو لحظة في أنّ حكّامه يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يقولون، ويصرّحون بعكس مكنوناتهم باللغة العربيّة، وأنّهم يقولون عكس ما يُعلنون في أحاديثهم الخاصّة مع مسؤولي الإدارة الراعية لهم ولحماية أنظمتهم؟ ومن شكّ أيضاً في درجة النفاق الأميركيّة؟ الحكومة الأميركيّة، من خلال الوثائق، لم تبحث في وضع حقوق الإنسان في أي من الدول العربيّة المعنيّة بالوثائق باستثناء سوريا ــــ وقد ذكّر بشّار الأسد عضو كونغرس أميركي بوضع حقوق الإنسان في السعوديّة، إلا أنّ الأخير لم يجبه. لكن، بلى، هناك وثيقة واحدة تحدّث فيها مسؤول أميركي وبجرأة عن وضع حقوق الإنسان (المُزري) في السعوديّة، إذ إنّه أثنى على الملك ومبادرته في الحوار بين الأديان ــــ مُمثّلة طبعاً بشيمون بيريز ــــ وأثنى «على التزامه بتقدّم الحقوق» في المملكة. ثم يتساءل المعلّقون والمعلّقات في أميركا عن سبب كراهية العرب لهم، وعن سبب حقدهم على السياسات الأميركيّة التي تدعم إرهاب إسرائيل كما تدعم الأنظمة التي يئنّون (ويئننّ) تحت وطأتها. وكيف يمكن أي عربيّة وعربي قبل قراءة الوثائق أو بعدها ـــــ وخصوصاً المديح الأميركي لتقدّم حقوق الإنسان في المملكة ـــــ أن يصدّق ولو للحظة المزاعم الأميركيّة الفارغة عن دعم الديموقراطيّة في العالم؟
جيل الحكّام العرب الثاني أسوأ من الأوّل والثالث قد يشتري قصوراً ومزارع في إسرائيل
واللافت أنّ الأنظمة العربيّة تتشابه مثل الرمال ـــــ بالإذن من محمود درويش ـــــ في منافستهم بعضهم لبعض في ولائهم للمصالح الإسرائيليّة وذلك للتقرّب من أميركا. النظام الواحد تلو الآخر يتنافس في دغدغة المشاعر الصهيونيّة. عندما أرادت أميركا وإسرائيل غزو العراق، نافسوا بعضهم بعضاً في التعبئة ضد العراق وفي تعداد مساوئ صدّام ـــــ وهؤلاء أنفسهم هم الذين ساهموا في صناعة عبادة شخصيّة صدّام وفي حماية نظامه في الحرب الإيرانيّة ـــــ العراقيّة. وعندما انتقل التحريض العربي من العراق إلى إيران ـــــ رهن إشارة إسرائيل ـــــ سارعت تلك الأنظمة المُنحنية إلى الطاعة العمياء وأصبح الخطر الإيراني النووي ـــــ غير المُثبت ـــــ أكبر خطر ضد المنطقة العربيّة برمّتها. هؤلاء الذين يسترجلون (والكلمة العنصريّة في ذكوريّتها تناسبهم، هؤلاء الذين يستقون خطابهم من قيم القبائل في الجاهليّة) أمام شعوبهم والذي يهدّدون المواطن (والمواطنة) في رزقهم وحلالهم بمجرّد خفوت الطاعة، يظهرون على حقيقتهم وفي ذلّهم في حواراتهم مع المسؤولين الأميركيّين.
هناك وثيقة أصدرت فيها الحكومة الأميركيّة أوامر (بصيغة «يجب على» الحكومة السعوديّة أن تقوم بكذا وكذا خدمة لمصالح أميركا) للحكومة السعوديّة حول مطالبة الصين بتشديد الضغط على إيران. والحكم السعودي بلسان ملكه، يبدو ضعيفاً إلى درجة أنّ الملك السعودي يطلب تخفيف الإجراءات ضد الوافد السعودي إلى أميركا فقط كي لا يظنّ الصديق والعدوّ أنّ الدولتيْن غير متحالفتيْن. خاف على سمعتهم بين الدول ـــــ سمعته كخادم المصالح الأميركيّة الأمين في العالم.
تقرأ عن هذا الجيل الثاني من الحكّام الطغاة في عالمنا العربي: كم هم أسوأ من الجيل الأول من الحكّام ـــــ على سوء الجيل الأوّل. الجيل الثالث قد يشتري قصوراً ومزارع في الكيان الغاصب ـــــ هذا إذا استمرّت إسرائيل إلى ذلك الحين. تقرأ عن أولاد زايد (أمّي آخر من الحكام العرب) الذين يتنافسون اليوم في خدمة إسرائيل. تغتال إسرائيل مواطناً فلسطينياً أعزل في دبيّ ولا تقوم قائمة أو همسة ضد إسرائيل في دولة الإمارات. ماذا كانت ردّة الفعل ستكون لو أنّ حزب الله أو حماس قامتا بعمليّة اغتيال إسرائيلي في تلك الدولة؟ أما كان أولاد زايد قد عجّلوا بطرد كلّ الشيعة وكلّ الفلسطينيّين من محميّتهم الخليجيّة؟ ماذا فعلت مصر فقط لأنّها «أوقفت» مؤامرة لدعم المقاومة الفلسطينيّة من قبل حزب الله إزاء أهل غزة (والإعلام المصري والسعودي ينتقد حزب الله بسبب تقاعسه عن دعم المقاومة الفلسطينيّة ثم يعمد الى انتقاده إذا ما دعم المقاومة ويتهمها بخدمة أهداف إيران).
محمد بن زايد هذا لم يطالب فقط بهجوم عسكري على إيران، بل زاد مُطالباً باجتياح أميركي برّي لأراضيها. وكلّ زعيم عربي (غير مُنتخب طبعاً) يزيد في إطلاق الأوصاف ضد إيران وضد رئيسها إمعاناً في إثبات الولاء والطاعة (كما يزايد إعلاميّو وإعلاميّات آل سعود وآل الحريري في الطاعة العمياء من خلال إطلاق الصفات ضد خصومهم، وتحويلها إلى مديح إذا جاء إشعار بذلك). محمد بن زايد هذا (التحق بكليّة «ساندهرست» في برنامج مُختصر ومُبسّط يعدّ لنوابغ أبناء الحكّام العرب الطغاة) يحاول أن يصبح من الحكّام المحظيّين في الشرق الأوسط. يتقرّب هؤلاء من إسرائيل كي يتقرّبوا أكثر من واشنطن. من شدّة غبائهم يظنّون أنّهم سيصلون في لحظة ما إلى المنزلة التي تحتلّها إسرائيل في واشنطن. رئيس الأركان الإماراتي قال لمسؤول أميركي إنّ من حق إسرائيل أن «تقوم بعمل» حربي ضد إيران. وتقول وثيقة أخرى إن وزير خارجيّة الإمارات (واحد من أبناء زايد ـــــ قد يعدّ فيهم كركلّا مغنّاة أخرى لمزيد من التملّق والمكافأة) قد نمّى علاقات شخصيّة جيّدة مع تسيبي ليفني. ولمزيد من التملّق، يقول أبناء زايد في وثيقة أخرى إنّهم يعتبرون حركة «حماس» منظّمة إرهابيّة. هذا فسّر اختراق فرقة كاملة من الـ«موساد» لأمن دبي، ويفسّر أيضاً لماذا التقى قائد شرطة دبي مسؤولاً أمنياً إسرائيلاً أخيراً.
وأمير قطر يسرّ لسيناتور أميركي بأنّ من حقّ إسرائيل عدم الوثوق بالعرب، فيما ينتقد رئيس وزرائه إيران في السرّ، وتتمتّع قطر بعلاقة حسنة مع إيران. الرئيس السوري يعترف لواشنطن بأنّه يشاطرها أهدافها وإن اختلف معها في الوسائل (يبدو أنّ بشّار الأسد نسي ما قاله والده عن التكتيك والاستراتيجيا في وداعه لأنور السادات في آخر رحلة له إلى دمشق). أما الرئيس اليمني فهو يتحدّث بخفّة وهزل يليقان به وبحكمه عن ضرورة الكذب على شعبه: عن ضرورة الادعاء بأنّ قصف الطائرات الأميركيّة لأهداف في اليمن يجري من قبل قوّات يمنيّة. يتحدّث الحضور عن الكذب على مجلس النوّاب اليمني الصوَري. أما رئيس الاستخبارات المصريّة فهو يتوسّل إلى الأميركيّين أن يدبّروا له رضى إسرائيلياً ويذكر بخدماته في حصار أهل غزة وتجويعهم. يكرّر أنّ نظامه يبذل وسعه لمساعدة غزة.
هناك محاولة للتخفيف من وطأة نشر الوثائق. هناك من يحاول الربط بين أهداف استخباريّة أميركيّة ونشر الوثائق. مِن مصلحة الحكّام العرب التشكيك في صحّة وثائق تدينهم وتشينهم. رئيس تحرير نشرة الأمير سلمان اليوميّة استفاق بعد يومين على نشر الوثائق، بعدما كانت جريدته قد تجاهلت خبر الوثائق ربّما لانشغاله بصحّة خادم المصالح الإسرائيليّة الأمين. قال إنّه ليس في الوثائق ما يُحرج النظام السعودي واختار أن يستشهد بوثيقة وحيدة تتحدّث عن رئيس الحكومة القطري. وقرّرت الصحيفة نفسها بعد صمت يوميْن أن تعترف بالوثائق: لكنّها لم تنشر إلا ما تعرّض للنظاميْن السوري والإيراني. وكأنّ الملك السعودي لم يكن نجم الوثائق تلك.
الشعب العربي اعتاد حكّاماً أدمنوا التضليل والخداع والكذب والنفاق. الوثائق توثيق لأسوأ ظنون الرأي العام عن حكّامهم. هؤلاء الحكّام لا يستحقّون ذرّة من الولاء أو الطاعة. هؤلاء ـــــ كلّهم ـــــ لا يستحقّون من شعوبهم إلا الثورة عليهم. متى؟
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)