ورد كاسوحة *

بدا لافتاً في الأيام التي سبقت حصول الانتخابات التشريعية في مصر ظهور قناة «الجزيرة» بغير المظهر الذي عوّدتنا عليه لدى مقاربتها الشأن المصري. فغالباً ما كانت تنحاز الشبكة القطرية في تلك المقاربة إلى المعارضة المصرية بشقّيها الليبرالي والإسلامي (لا وجود في مصر لمعارضة يسارية ذات ِشأن). وانحيازها ذاك، ناتج من تعارض الأجندات بين النظام القطري المشرف على إدارة القناة والنظام المصري الذي لا يترك فرصة للتصويب على السياسات القطرية إلا يقتنصها. وقد بقيت هذه المعادلة قائمة إلى حين قرّر النظامان أن «يطويا صفحة الماضي»، ويمضيا إلى طور جديد من العلاقات بين الدولتين. طور لن يحسم الخلافات بينهما (وهي شائكة ومعقّدة)، لكنّه سيعزلها عن السياق العام للعلاقات بين البلدين، تماماً كما يفعل اليوم النظامان السوري والسعودي لدى مقاربتهما الملفات الخلافية المشتركة. لنقل إنّها مرحلة تجميد للتباينات ريثما تتضح صورة الوضع الجيو ـــ سياسي في المنطقة. فنحن مقبلون قريباً على استحقاقات قد تغيّر وجه المنطقة وتقلب المعادلات القائمة رأساً على عقب.
في هذا السياق تحديداً أتت زيارة الرئيس المصري حسني مبارك إلى الدوحة. وليس من قبيل الصدفة أبداً أن تتزامن جولة الرجل الخليجية مع حملة دعائية تشنّها صحافة نظامه على ما ورد في تقرير وزارة الخارجية الأميركية الأخير حول أوضاع الأقليات الدينية في مصر. طبعاً، لن يطلب الرئيس المصري من سلالات نفطية واقعة تحت الوصاية الأميركية أن تتضامن معه في مواجهة «ضغوط» تمارسها الجهة الوصية ذاتها على نظامه. أصلاً هو لم يدّع يوماً الرغبة في التواصل حتّى مع حلفاء مشاغبين لأميركا (تركيا مثلاً). حلفاء غير تابعين لواشنطن تماماً بخلاف السلالات الخليجية. وتبعيّتهم المشروطة هذه يمكن أن توفّر لمبارك الأب ونظامه هوامش أكبر للحركة، في ظلّ «الضغوط» الممارسة عليه. لكن يبدو أنّ مواجهة هذه «الضغوط» ستبقى حكراً على الدعاية الإعلامية. دعاية يراد لها مصرياً أن تعوّم النظام وأن تظهره كما لو كان ضحية للعسف السياسي الأميركي، مثله في ذلك مثل إيران وسوريا وباقي الدول «الممانعة» للهيمنة الاميركية! إذ لا قرار واضحاً في القاهرة بالكفّ عن مسرحة «المواجهة مع أميركا» وإخراجها من الحيّز الإعلامي الهزلي الذي لا يكلّف شيئاً، إلى حيّز الفعل السياسي الذي تترتب عليه أثمان باهظة ومكلفة.
وهذا يعني أنّ حراك الرجل بين دول الخليج لا علاقة له البتّة «بالضغوط» التي يتعرّض لها من طرف الأميركيين. علينا أن ننظر إلى الأمر من زاوية أخرى حتى نفهم ما الذي يملي على وريث السادات تحركّاته. زاوية قد لا تكون على صلة مباشرة بالسياسة بمعناها الضيق. لنفكّر مثلاً في أزمة مياه النيل وما يمكن أن تحدثه من ارتدادات على الوضع الهشّ في مصر لو لم يتحرّك النظام في الوقت المناسب. لكن ما صلة الأزمة المستجدة بين مصر ودول منبع النيل بالجولة الخليجية لرأس النظام المصري؟ الجواب عن سؤال كهذا يكمن في تلمّس مركز الثقل الذي أريد لنظام خليجي بعينه أن يحظى به في التغطية الإعلامية المصرية (الرسمية) لجولة مبارك. وتشاء الصدف أن يكون هذا النظام هو ذاته الذي يملك «ذراعاً إعلامية» ضاربة اسمها «الجزيرة» ويتدخّل في ملفات يعتبرها النظام المصري جزءاً لا يتجزأ من أمنه القومي (غزة، السودان ..الخ) ويملك فوائض نفطية تتيح له أن يتمدّد اقتصادياً ويمارس أدواراً تفوق حجمه الفعلي بكثير. هذه الاعتبارات وغيرها فرضت نفسها بقوّة على الأجندة المصرية في الخليج، وجعلت من زيارات مبارك الأخرى إلى البحرين والإمارات مجرد هوامش أريد لها أن تموّه المتن الأساسي للزيارة: المصالحة مع قطر.

يراد من الدعاية الإعلامية مصرياً أن تعوّم النظام وتظهره كما لو كان ضحية للعسف السياسي الأميركي، مثله مثل دول «الممانعة»
ومن يتابع صحافة النظام المصري هذه الأيام سيلحظ حتماً كيف سُحبت الرّطانة المناوئة للنظام القطري من التداول، تماماً كما حصل مع الجزائر بعد التصالح مع نظامها. هذا هو دأب الديكتاتوريات العربية عندما تضع مصالحها فوق مصالح شعوبها. البقاء على رأس النظام هو ما يملي على هذه الطغم حراكها ولا شيء آخر. حراك يرتدي أشكالاً ذرائعية مختلفة. فعندما تقتضي مصلحة النظام الاشتباك مع قطر والجزائر وتكييف «جماهيرنا» مع هذا النّسق المتقدم من الدعاية الفظّة، نفعل ما يجب علينا فعله أو ما يمليه علينا واجبنا الوطني! أما عندما يكفّ هذا الاشتباك عن تلبية احتياجات النظام في المرحلة الراهنة فلا بدّ من إيقافه ومباشرة فعل دعائي معاكس يعيد قولبة الفعل الجماهيري وتكييفه مع مقتضيات المصالحات الحالية. مصالحات استشعر النظام ضرورتها عندما بدأ يفقد الأوراق التي كانت بحوزته. وفقدانه لهذه الأوراق ليس بعيداً عن السياسة الكارثية التي ارتأى السادات في بداية السبعينيات أنّها «الأكثر ملاءمة لمصر» بعد خروجها من حقبة الحروب مع إسرائيل. وقد طوّر حسني مبارك هذه السياسة بعد اغتيال السادات، وجعل منها المعيار الوحيد للحكم على مدى اقتراب هذه الدولة من السياسة المصرية أو ابتعادها عنها. هكذا أخرجت دول حليفة تاريخياً لمصر مثل الجزائر والصين والهند (باتت الهند اليوم حليفة لإسرائيل وأميركا نظراً الى حماقة الأنظمة العربية ورعونتها) من جنّة التحالف مع نظام مبارك، لمجرّد أنها لا تتقاطع مع النزعة المصرية للالتحاق بالولايات المتحدة. وليس سرّاً أنّ انتهاج بعض دول عدم الانحياز سابقاً سياسات «القطيعة» مع نسق الالتحاق الذيلي بأميركا قد حفظ لها كثيراً من الأوراق التي استفادت منها لاحقاً في صراعاتها الإقليمية من أجل البقاء. وهذا أمر لم تعِه «مصر» جيداً، وإلا لما كانت أمعنت إلى هذا الحدّ في سياسة التفريط بالأوراق الإقليمية، وتسليمها إلى خصومها، الواحدة تلو الأخرى. وآخر هذه الأوراق هي السياسة الأفريقية لمصر التي أخذ البعض على عبد الناصر تحميله إياها «ما يفوق حجمها الفعلي». لا بل ذهبوا أحياناً إلى حدّ القول إنّ المكوّن الأيديولوجي لدى عبد الناصر قد تغلّب على نظيره البراغماتي وحمل الزعيم الراحل على المبالغة في احتضان العمق الأفريقي لمصر. لكن يتضح اليوم بعد مرور أربعين عاماً على وفاة الرجل، وبعد تصفية نهجه تجاه دول عدم الانحياز وأفريقيا، أنّ البراغماتية السياسية كانت تسير جنباً الى جنب مع الأيديولوجيا في رؤيته لمستقبل مصر ودورها الإقليمي. دور يقع الأمن القومي للبلد في صلبه تماماً. ولدى استعراض عناصر هذا الأمن تبرز قضية المياه بوصفها دينامية أساسية في هذا السياق. غير أنّ إغفال السادات ومن بعده مبارك لهذه الدينامية أوصل مصر اليوم الى القعر الذي تقبع فيه من الناحية المائية.
وما حصل مع قضية العمق الأفريقي جنوباً يتكرر على نحو مماثل مع قضية أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها، وأقصد بها قضية المنفذ البحري والبري الوحيد لمصر على المشرق العربي: غزة. ذلك أنّ دينامية المصالحة التي ترعاها مصر بين حركتي فتح وحماس تبدو بلا أفق تقريباً. وكلّما بدا أنّ «مساحة الاختلاف» بين الحركتين ذاهبة إلى التقلّص يطرأ أمر ما «من خارج الأجندة» ويفوّت على مصر وطرفي النزاع فرصة جديدة لاقتناص الحلّ (التحاصصي بطبيعة الحال).
كلّ هذا يجعل من حراك النظام المصري باتجاه قطر وباقي دول الخليج «أمراً مفهوماً». ولكن «فهمه» يندرج في سياق محدّد هو سياق تجميد الخسائر وإبقاؤها عند حدود معينة. فبعد خسارة الورقة الأفريقية، لا طاقة للنظام في مصر على احتمال خسارة جديدة قد تفقده «ما بقي له» من رصيد في المنطقة. وهو رصيد سبق للسادات أن أفرغه تماماً. ويتعيّن على من يرغب في «وراثة مبارك» أن يملأه، حتى تعود مصر إلينا من جديد. مصر العربية والأفريقية وصديقة دول عدم الانحياز.
* كاتب سوري