Strong>عيسى نحّاس *

على مشارف استعداد حزب الكتائب لإحياء سنيه الخمس والسبعين، وعشيّة عيده الرابع والسبعين، يقتضي الإنصاف والأمانة التاريخية أن نسجل له أنّه حزب وطني علماني غير طائفي، رغم كلّ الاتهامات ورغم بعض الممارسات غير المعبّرة عن فكره ومسيرته بتاتاً.
يوم أسّس بيار الجميّل ورفاقه الأوائل حزب الكتائب اللبنانية لم يكونوا يدركون بالتمام ما سيطبعه هذا الحزب في تاريخ لبنان الحديث. كلّ ما كانوا يأملونه هو حسب ما جاء في بيانهم التأسيسي في عام 1936 «استبدال المثل الطائفية القديمة بالمثال الوطني» و«تحقيق التمازج والتفاعل بين القوى الحية لدى مختلف العائلات الروحية من خلال الأطر الحديثة للدولة»، جاعلين هدف الحزب الأساسي تكريس الولاء للوطن عبر دولة علمانية مؤسساتية.
وقد سارت الكتائب فكرياً على هذا المنوال من خلال مؤتمراتها المتعاقبة. في المؤتمر الأول في 30 أيلول 1956، دعا الحزب إلى «المحافظة على علمانية الدولة اللبنانية التي يتميز بها لبنان في هذا الشرق والتي لا تضمن فقط حرية ممارسة الشعائر الدينية، بل أيضاً حرية المعتقد، أي حرية الفرد في أن يؤمن أو لا يؤمن وأن يغيّر معتقده متى شاء وكيفما يشاء». أما المؤتمر الثاني في 4 تشرين الأول 1959، فقد طلب «اعتبار مستقبل لبنان مرهوناً بوحدة بنيه والسعي الى توطيد هذه الوحدة بإزالة ما يعوق تتميم علمنة الدولة، وبتحقيق العدالة الاجتماعية، وبمضاعفة الاهتمام بالمناطق المحرومة للقضاء على التفاوت في مستوى المعيشة وفي حسن التمرس بالحريات الديموقراطية».
في المؤتمر الثالث عشر في أيلول 1970، حثّ الحزب على «الإقلاع عن بدعة الخلافة الطائفية في المديريات العامة ورئاسات المصالح والدوائر والاكتفاء، مؤقتاً، بحفظ النسب بصورة إجمالية تمهيداً لإلغاء الطائفية الوظيفية كلياً»، و«إقرار مشروع قانون الزواج المدني الاختياري». كما طالب في المؤتمر الرابع عشر في أيلول 1971 بـ«اعتبار نظام الطائفية السياسية أداة مرحلية للوصول الى النظام السياسي الأفضل، على أن يتخذ الحزب المبادرات لتخطي هذا النظام بخطوات تدريجية، تكون إحداها اقتراح تشريع مدني اختياري للأحوال الشخصية يعطي المواطن إمكان الاختيار بين التشريعين الطائفي والمدني».
ثم جاء المؤتمر السادس والعشرون، «مؤتمر التوحيد والتجديد»، في تشرين الثاني 2005، الذي كان نتاجاً للمصالحة الحزبية. ويرتدي بهذا المعنى أهمية خاصة لأنّه أكد مبادئ توافق عليها كلّ الكتائبيين لإعادة وصل ما انقطع بين ماضي الكتائب وحاضرها. ويستفيض في وصف ملامح الدولة المدنية بقوله: «ثمة ملامح واضحة لمضامين هذا المشروع، لعل أبرزها قيام دولة الحق، بالمعنى الديموقراطي الواسع والحقيقي، حيث يتساوى اللبنانيون بمقياس المواطنة، فلا تعود حصة المواطن في مؤسسات الدولة وإدارتها، محددة بدينه أو مذهبه، ولا يعود خصوصاً سقف طموحاته محكوماً بالدين أو المذهب الذي يولد فيه. ولا يقف دور الدولة المدنية عند كفالتها للناس حرية ممارستهم لشعائرهم الدينية، واحترامها لمعتقداتهم، بل يتجاوز هذا الحد الى الدولة التي لا تتدخل أصلاً بمعتقدات مجتمعها، فتصونها جميعاً، وتمحضها الحماية الكاملة، على قاعدة أنّ حرية الدين والمعتقد هي جزء أساس من منظومة الحريات التي تميز الدولة المدنية عن نقيضها، أي تلك الدينية».
وحدد المؤتمر الغاية من مشروع الدولة المدنية بوضوح بقوله إنّه «استعادة اللبناني من صفته الدينية والمذهبية، التي هو الآن في حماها، الى صفته الحرة كمواطن متساو مع سائر المواطنين، بحيث لا يبقى هنالك امتياز لأحد، إلا بحكم الاستحقاق الشخصي، وما يتمتع به الفرد من مواهب تميزه عن الآخرين... والانتقال مما بات يعرف بحق، بفيدرالية الطوائف، الى الدولة المدنية، وصيغة الدولة الجامعة، والقادرة بقدرة مؤسساتها».
ويضيف المؤتمر «على هذا المشروع تأسست الكتائب، فجاز القول إنّ الكتائب إنما هي مشروع وطن ودولة، قطع أشواطاً، وبقيت أشواط تأتي كلها تحت عنوان استكمال الدولة المدنية في بنيتها، كما في جوهر وجودها الذي هو الإنسان».
ولكن رغم أفكارها العلمانية الواضحة، نسب الى «الكتائب» طائفيتها. على سبيل المثال، قيل إنّ الحزب نادى بلبنان ليجعل منه وطناً للمسحيين في شرق أوسط إسلامي الصبغة، يستأثرون بمقدارته ويحكمونه خلافاً لقاعدة حكم الإسلام من قبل الإسلام المعمول بها في كلّ الوطن العربي. وقيل أيضاً إنّ الكتائب حزب مسيحي بالنظر الى الغالبية العظمى من طائفة المنتسبين إليه. وذهب البعض الى وصفه بالحزب الماروني الذي قاد المسيحيين باتجاه مصلحة مذهب منهم. وقيل أيضاً حتى طرح الدولة المدنية أو الدولة العلمانية ليس إلا طرحاً طائفياً. طرح هدفه الرد على طرح المسلمين بإلغاء الطائفية السياسية من أجل نزع البحث في هذا الموضوع والحفاظ بالتالي على الوضع القائم، أي إبقاء دولة طوائفية يحكمها الموارنة بصلاحيات استثنائية تعطى لرئيس الجمهورية الماروني (طبعاً قبل اتفاق الطائف).
لقد خاضت «الكتائب» الحرب اللبنانية في عام 1975 تحت عنوان التصدي لمشروع توطين الفلسطينيين على أرض لبنان، فكان أن التزم معظم المسلمين بنصرة الفلسطينيين، فيما أخذ النضال الوطني للتصدي لمشروع التوطين الذي خاضته الكتائب صبغة مسيحية. لكن حقيقة الأمر الثابتة أنّ «الكتائب» خاضت حرب المحافظة على لبنان وهويته لبقائه وطناً لجميع اللبنانيين.
وفي أحداث 1958 أخذ توجّه «الكتائب» حماية رئيس الجمهورية الماروني صوناً للمؤسسات وللنظام التوافقي فيه وليس دفاعاً عن طائفة أو مذهب. وكذلك عندما خاض الحزب مواجهة مع التيار الناصري تحت عنوان سيادة لبنان وأولويته، فقد عنت أولوية الولاء للوطن، كل الوطن، بكلّ طوائفه ومشaاربه.
أرادت «الكتائب» لبنان وطناً لجميع اللبنانيين وواحة للحرية ونذرت نفسها للدفاع عنه. ولولا نضال الحزب لتحوّل لبنان الى وطن مسيحي صرف، لكن الكتائب راهنت وناضلت من أجل لبنان وطن للعيش المشترك. وليس هناك أبلغ من تصدّيها تصدّياً قاسياً للانتداب الفرنسي وللتدخل الإنكليزي وللمشروع الأميركي التوطيني للتدليل على هذا الأمر. وقد عبّر الرئيس المؤسس لحزب الكتائب، بيار الجميل، جيداً عن هذا الموضوع عندما قال: «الأوطان المسيحية كثيرة، والأوطان الإسلامية كثيرة، ولكن ما من وطن يلتقي فيه المسيحي والمسلم كما يلتقيان في لبنان». هذا الكلام واضح، فالكتائب لا تريد وطناً مسيحياً كبقية الأوطان المسيحية، بل تريده رسالة حضارية لأنّه ليس حزباً مسيحياً، بل حزب وطني صرف.

تصدّت الكتائب للانتداب الفرنسي وللمشروع الأميركي التوطيني، ولولا نضال الحزب لتحوّل لبنان الى وطن مسيحي صرف
أما بالنسبة الى تصنيف حزب الكتائب نظراً إلى غالبية الانتساب المسيحي إليه، فإنّنا نكتفي بالإجابة عن هذا السؤال بما قاله شفيق حسين طبارة، رئيس مصلحة الدعاية في الحزب، سنة 1942 «إنّ الكتائب لم تنحط في أدوار حياتها الى حضيض الطائفية ولم تصطبغ بأي صبغة دينية وهي من يوم نشأتها لم تعرف غير الوطنية اللبنانية مستوحاة بأفكارها ورابطة لأعضائها. وإذا ذكرتم الكتائبيين فقد ذكرتم المسلم والدرزي والمسيحي، تكتلوا بمنظمة واحدة تدين بالفكرة اللبنانية. ولقد جاء في المادة الرابعة من قانون الكتائب الأساسي أنّ الكتائب اللبنانية مؤسسة وطنية لبنانية صرفة بعيدة عن كلّ صبغة مبدئية عنصرية. فإذا شايعت المبادئ الكتائبية كثرة من المسيحيين فليس ذلك مرده الى إيثار هذه المبادئ فئة دون أخرى من أبناء البلد، بل مرده الى كون المسيحيين في لبنان أكثرية بين القائلين بالفكرة اللبنانية والعاملين على استقرار لبنان كما عرّفته وأرادته الكتائب».
إذاً، فالكتائب باختصار حزب وطني بامتياز، قاتَل الطائفية وقاد الشارع المسيحي الى المبادئ اللبنانية الصرفة. كما قاتل الانتداب الفرنسي (الأم الحنون للمسيحيين) وقاتل المشروع الأميركي والغربي يوم قرر تنفيذ مشروع التوطين على أرض لبنان وناهض قيام دولة إسرائيلية عنصرية.
وخلاصة الأمر، إنّ «الكتائب» حزب وطني أقنع اللبنانيين من كل الطوئف بمبادئه وكبح جماح أي تطرف مسيحي نحو إنشاء وطن مسيحي.
أما بالنسبة إلى قول البعض إنّ طرح «الكتائب» لمشاريعها في الدولة المدنية العلمية والعلمانية هو من منطلق طائفي للرد فقط على مشروع إلغاء الطائفية السياسية هو قول يكاد يكون كاريكاتورياً. فهو يتصوّر أنّ الكتائب اختلقت مشاريع وهمية وزوّرت عقيدتها وفكرها من أجل الرد فقط على مشروع إلغاء الطائفية السياسية، وهو مشروع في عرف الكتائب يؤذي طارحيه الطائفيين. والدليل على ذلك أنّ اتفاق الطائف نصّ على اعتبار إلغاء الطائفية السياسية هدفاً مرحلياً في لبنان. لا بل إنّ الكتائب بذاتها في عام 1973 تقدمت بمشروع للإلغاء الفوري للطائفية السياسية أعدّته لجنة من أعضاء المكتب السياسي في الحزب.
أما تصنيف البعض الفلسفة الكتائبة بأنّها قريبة جداً من الفلسفة المسيحية بالمعنى الجوهري للكلمة فليس تهمة وعيباً ولا دليلاً على طائفية الكتائب، بل دليل على وطنيتها وبعدها عن الطائفية. فالفلسفة المسيحية بذاتها تدعو الى نبذ العنصرية والطائفية والمذهبية. فهي فلسفة وطنية. هذا مع العلم بأنّ الفلسفة الكتائبية تتقارب مع العديد من الطروحات الفلسفية وتتأثر بفلاسفة عصر الأنوار وبتجربة الوجود اللبناني وليست منقولة نقلاً عن الفلسفة المسيحية.
في المقابل، إنّ قول أبرز منتقدي الكتائب بأنّ نضالاتها أتت من منطلق طائفي وانصبّت على فئة طائفية معيّنة هو قول لا يد للكتائب فيه. فهي واجهت مشاريع وأفكاراً ولم تواجه في حياتها طائفة، بل ركزت خلال سني نضالها على الالتزام بأفكارها كما ورد في ميثاقها التأسيسي وفي مؤتمراتها المتعاقبة وفي قسم يمين كلّ كتائبي.
لم ينكر الحزب يوماً أنّه منذ عام 1977 تعرّض لعاصفة طائفية بفعل ظروف الحرب التي تحوّلت طائفية، لم تعد الكتائب تشارك فيها رسمياً بقرار من المكتب السياسي منذ ذلك التاريخ. والدليل على ذلك أنّ هذا المنحى الطائفي أدى الى انتفاضات من منتسبين الى الحزب يدينون بالولاء لتيار القوات اللبنانية، فوضع الكتائبيون في الإقامة الجبرية، واغتيل قادة منهم، ونفي بعضهم وبينهم الرئيس أمين الجميّل، رئيس الحزب الحالي. باختصار، حورب كلّ كتائبي، واضطُهد حين لم يلتزم بمشروع الفدرالية التي عنت يومها قيام الدولة المسيحية بمرافقها وكيانها الذاتي. فلو كانت الكتائب هي نفسها حركة طائفية، لما حوربت بوصفها رمز الاعتدال اللبناني.
الاحتمال المنطقي الوحيد هو أنّ الكتائب حركة وطنية صرفة، اجتذبت في صفوفها غالبية مسيحية وحوربت بشدة من الحركات الطائفية الحزبية، منذ تأسيسها وحتى اليوم، وأعطت الخيار للبنانيين بأن ينتسبوا الى حزب وطني صرف.
إنّ الكتائب حزب وطني لا طائفي، وهو ليس حزباً مسيحياً بل مشروعه الوحيد الدولة العلمانية، وفكره قائم على وحدة لبنان ضمن التعايش المتواصل بين الطوائف والأديان، وهي تجربة فذة للعيش المشترك.
* محامٍ وباحث سياسي