سماح إدريس

إنّه لشيءٌ حزينٌ فعلاً: أن تجدَ مَنْ تُراهِنُ على أنّهم «طليعةُ التغيير» ينكفئون عن العمل السياسيّ واحداً واحداً، بعد عام أو عامين أو خمسة. وحتّى مَنْ بقي منهم ناشطاً فإنّك تجده يَحْضر النشاطات، ولكنْ بلا عزيمة: عيناه شبهُ منطفئتيْن، وعقلُه في مكانٍ آخر لا نَعْرفه، ولكنّه بالتأكيد خارج قاعةِ الندوة أو خارج الاجتماع الحزبيّ.
الأسباب؟ كثيرةٌ هي الأسباب، لكنّ أهمَّها في رأيي ثلاثة: غيابُ المؤسّسة، وانحطاطُ الثقافة داخل الأحزاب، واندثارُ المتابعة. وكلُّها موضوعاتٌ تحتاج إلى مجلّداتٍ للحديث عنها. ولكنْ يكفي هنا وضعُ ملاحظاتٍ سريعةٍ برسم التطوير في مقالٍ لاحق.
أحزابُنا (ولأحصر الحديثَ في أحزابنا التقدّميّة والعَلمانيّة في لبنان مثلاً) تخلو من المؤسّسات، كلّيّاً أو بصورة شبه كلّيّة. والمؤسّسة تعني المالَ المنتِج. قد تتوفّر لأحزابِنا أموالٌ تأتيها من هذه الدولةِ أو تلك، أو من هذا الحزبِ «الحليفِ» الغنيّ (الذي تتدفّق عليه الأموالُ من دولٍ خارجيّة) أو ذاك. ولكنّ هذه الأموال، على قلّةِ ما يصلُ أحزابَنا منها، لا توظَّفُ في عملٍ منتِج ربحيٍّ، بالمعنى الاقتصاديّ المباشر البحت. الأموالُ التي بين أيدينا بِنْتُ ساعتِها: تَكْفينا لمؤتمرٍ، أو لإصدار نشرةٍ (بالأحرى عددٍ أو عددينِ منها)، وبعدها نبدأ النَّقَّ! والاستثمارُ في النَّقّ، كما تَعْلمون أيّها الرفاق، لا يولِّدُ إلاّ نقّاً إضافيّاً؛ والنَّقُّ الإضافيّ مآلُه ـــ في النتيجة ـــ إلى الإحباط، وإلى خروجِ شبابنا، زرافاتٍ ووحداناً، من العمل التنظيميّ. ربّما علينا أن نبدأ العملَ على إنشاء مؤسّساتٍ ربحيّة (مصانع، شركات، مجمَّعات سياحيّة، ...) نَصْرف منها شيئاً على نشاطاتنا وبعضِ متفرّغينا. وبالمناسبة، لا عملَ تنظيميّاً ناجحاً من دون عددٍ، وإنْ كان قليلاً، من المتفرِّغين. نعم، بعضُ المتفرِّغين عالةٌ على أحزابهم، وعلى مواردِها الضئيلة، ويجب أن يُنْهَى تفرُّغُهم بأقصى سرعة. ولكنّ «البرنامجَ السياسيّ» و«العاطفةَ الجيّاشة» لا يكفيان لديمومةِ أيّ حزب؛ بل أقصى ما يبنيانه إنّما هو شلّةٌ صغيرةٌ تَعْمل ساعةً... وتطقّ حنكاً ساعتيْن أو أكثر.
أما انحطاطُ الثقافة داخل أحزابنا التقدّميّة فحدِّث عنه ولا حَرَج. وقد سبق أن تطرَّقنا إليه في افتتاحيّةٍ سابقة، لكنّنا نعيد التذكيرَ به ههنا لكونه عاملاً أساساً في غياب الأمل. لا أملَ من دون ثقافة. في محاضرةٍ ألقيتُها في أحد المخيّمات الشبابيّة اليساريّة الصيفَ الماضي، هالني انعدامُ الأمل لدى الشباب في قدرة «العرب» على أن يحقِّقوا أيّ شيء! شبابُنا، للأسف، يعتقدون أنّ شعبَ جنوب أفريقيا أنجحُ منّا، وأنّ شعبَ المهاتما غاندي أقدرُ منّا على ممارسة المقاطعة التي أدّت ـــ من بين أسبابٍ أخرى ـــ إلى طردِ المستعمر البريطانيّ. إنّ الاستخفافَ بقدراتنا، نحن العرب، يعود في جزءٍ منه إلى عدم معرفةِ تجاربِ شعوبٍ أخرى نجحتْ في طردِ أكبرِ الإمبرياليّاتِ والعنصريّاتِ في العالم. إنّ الاطّلاعَ الجدّيّ على تجارب الشعوب لا بدّ أن يُعطي شبابَنا أملاً في أنّ شعبَنا ليس أقلّ قدرةً عى اجتراح الانتصارات. ولكنْ أين هي الأحزاب التي تَفْرض على أعضائها قراءة تجارب الشعوب الأخرى؟
وأخيراً، لا آخراً، المتابعة. أحزابُنا، بشكلٍ عامّ، لا تتابِع! كم اجتماعاً قرّرنا فيه أموراً، بل وزَّعْنا المسؤوليّاتِ على «الناشطين»، لنكتشفَ في الاجتماعات القادمة أنْ شيئاً لم يحصلْ، وأنّ أحداً لم يُنجزْ ما وَعَدَ به (أو كُلِّفَ به فقَبِلَهُ حياءً)؟ والطامة الكبرى هي أنَّنا لا نُحاسِبُ المقصّرين. ولماذا لا نحاسبُهم؟ لأنَّنا نخشى، إنْ فعلنا ذلك، أن يَتْركوا «العمل»، وكأنّهم كانوا يَعْملون أصلاً! أما لماذا اندثرت المتابعة، فلهذا أسبابٌ يَطُول شرحُها، أهمُّها ما سبق أن أوردناه أعلاه: غيابُ المؤسّسة، وانحطاطُ الثقافة، وانعدامُ المحاسبة.
إنّها حلقةٌ مفْرغة. كلُّ عائقٍ يغذّي العوائقَ الأخرى، ويزيدُ في حالةِ شللنا. صار الاجتماعُ هو الهدفَ. صار الحزبُ هو الغايةَ. وصارت أقدامُنا تَجرُّنا ـــ بلا إرادةٍ أحياناً ـــ إلى حيث «النشاطُ» القادم: إلى حيث الإحباطُ الجديد!
* رئيس تحرير مجلة «الآداب»
(افتتاحيّة العدد القادم الذي يصدر بعد أيّام)