بعد سنوات من النضال ضد قانون مجحف يمنع المثليين والمثليات من الخدمة في الجيش بعد إفصاحهم عن ميولهم الجنسية، استطاعت حركة الحقوق المدنية الأميركية تنفس الصعداء مع إبطال سياسة «لا تسل، لا تقل». وفي انتظار دراسة آلية تطبيق الإبطال بين الرئيس الأميركي وقادة الجيش، ستمر شهور قبل بدء التطبيق الفعلي. شهور ستحفل بنقاشات عديدة في مفاعيل القرار، التاريخي بنظر المدافعين عن حقوق الإنسان، والسيئ بنظر عتاة اليمين الذين يكرهون المثليين، من منطلقات دينية في معظم الأحيان. لكن ما تأثير هذا القانون فعلاً على حركة المطالبة بمساواة المثليين والمثليات مع الغيريين؟ هل سينعكس إيجاباً على المطالبات بتشريع الزواج بينهم؟ أم سيبقى التعصب موجوداً، ليكون التغيير في النصوص، لا في النفوس؟


التعصب مستمر




ميتشل بارد *
لقد أُبطل «لا تسل، لا تقل» (حالما يوقع الرئيس أوباما القانون). أخيراً. نحن بلد أفضل، أقوى وأكثر أمناً مما كنا عليه قبل التصويت. لكن يجب ألا نكسر أيدينا ونحن نربّت الأكتاف.
أنا متشائم لأنّ النواحي الإيجابية من إبطال «لا تسل، لا تقل» تبهت، مقارنة بالمشاكل التي تبقى تحيط بالقضية الأكبر. وهي قضية تعاطينا مع المثليين والمثليات، وخصوصاً حين نتذكر كم من الوقت تطلّب إبطال القانون وكمية النفايات التي وجب التعاطي معها في غضون ذلك.
حتى مع هذا الإبطال، يبدو أنّه بقي من المقبول في بعض الأوساط، الاستخفاف بالمثليين والمثليات بطريقة لن يسمح بها مع المجموعات الدينية، الإثنية والعرقية. على سبيل المثال، قال السيناتور جون ماكين خلال دفاعه عن قانون «لا تسل، لا تقل»: «أظن أنّ جنودنا واعون كفاية لاتخاذ قرار بشأن الطريقة التي يريدون أن يخدموا بها والتأثير على فاعليتهم القتالية». ماذا لو شرّع ماكين خيار عدم الرغبة بالخدمة مع السود؟ أو اليهود؟ أو اللاتينيين؟ هل ستكون تصريحاته مقبولة؟ بالطبع لا. كان سيتعرض لإدانة واسعة. إذاً لماذا الموضوع مقبول مع المثليين والمثليات؟ إنّه ليس مقبولاً. الفرق الوحيد أنّنا، كمجتمع، نسمح بالتعصب الذي سمحنا به مرة تجاه السود، اليهود والأقليات الأخرى، ضد المثليين والمثليات. (يجب ألا ننسى أنّ الجنود قالوا في استطلاع للرأي إنّهم لا يمانعون الخدمة مع زملاء مثليين).
لقد قمت بقراءات عدّة في الأشهر الأخيرة عن النصف الأول من القرن العشرين، وخصوصاً الفترة الممتدة من بداية الثلاثينيات إلى أواخر الخمسينيات. من الجليّ أنّ هناك الكثير مما يجعلنا نفخر بتلك الفترة، وخصوصاً كيف احتشدت الأمة كلها لربح الحرب العالمية الثانية. لكن هذه الفترة أيضاً حفلت ببعض الأفعال المخجلة والمثيرة للغضب من الولايات المتحدة ومواطنيها، تجعلنا نتساءل كيف لم نتعلم الدرس حيال قمع الأقليات. لقد فعلنا أموراً ستجعل «حزب الشاي» يحمرّ خجلاً (ربما لا...) منها إرسال الأميركيين من أصول يابانية إلى مخيمات الاعتقال، إلى المعاملة السيئة تجاه الأميركيين السود، وخصوصاً أولئك الذين خدموا في القوات المسلحة.
إذاً، لماذا نحن نسمح اليوم بقمع المثليين والمثليات؟ لدينا نقاشات عامة في زواج المثليين تشبه تلك التي خيضت في الزواج المختلط بين الأعراق. ويجد التنمر الذي يتعرض له المثليون المراهقون صداه في المعاملة التي كانت الأقليات تلقاها في هذه البلاد.
يبدو أنّ «لا تسل، لا تقل» يتبع نمطنا الخاص: نصل إلى حيث يجب أن نكون، لكن بعد أن نتغاضى عن تصرفات مخجلة لفترة طويلة جداً. ألا تستطيعون تخيّل مراهق في سنة 2050، يناضل من أجل أن يفهم ما يسمع ويقول لوالده «لقد طردنا أشخاصاً مؤهلين من الجيش وكنا في حربين لأنّهم كانوا مثليين؟ هل تمزح معي؟ لماذا؟». وهذا مماثل لعدم فهم أي مراهق اليوم أنّ السود لم يكونوا فقط منفصلين عن الجنود البيض خلال الحرب العالمية الثانية، بل كانوا يعاملون أسوأ من أسرى الحرب الألمان، فكانوا يحرمون الطعام والترفيه المخصص للبيض.
هناك أمر أكثر إيحاءً؛ فحين أعربت عن مشاعري على صفحتي على موقع فايسبوك حيال إبطال قانون «لا تسل، لا تقل»، قالت إحدى المعلقات إنّ من اللطيف أن يكون هذا الشعور نابعاً من شخص غيريّ [ليس مثلياً]. أفهم كلياً ردة فعلها، لكن من المؤسف أنّها تفكر بهذه الطريقة. مثليّ أو غيريّ، يجب على كلّ أميركي يهتم بالقيم الأميركية الأساسية المتعلقة بالمعاملة المماثلة وفق القانون، أن يعارض قمع أي أقلية، سواء في تلك المجموعة أو لا.
ربما كنا قد ربحنا معركة «لا تسل، لا تقل»، لكن يبدو لي أنّه لا يزال هناك الكثير لفعله في ما يتعلق بالسؤال الأكبر عن الطريقة التي نعامل بها، كأمة، الأشخاص الذين نراهم مختلفين عنا.
أظن أنّ جزءاً كبيراً من هذه المشكلة يعود إلى آلة الدعاية اليمينية، التي تخلق بيئة يزدهر فيها عدم التسامح. خلال قراءاتي عن الثلاثينيات، فوجئت بكثرة النسخ عن المذيع راش ليمبا في تلك الفترة (آنذاك كان لدينا القس البغيض، العنصري والمعادي للسامية تشارلز كوفلين) والمقدم التلفزيوني غلين بيك (كان لدينا وقتها تاجر النفط دون برينكلي الذي تحوّل ملكاً على الإذاعة). لقد خطر ببالي أنّه فيما تراجعت شعبية هذين الاثنين مع الوقت، كان الأمر سيكون مختلفاً لو أنّهما حظيا بدعم آلة ترويج إعلامي كالموجودة في أيامنا هذه. ربما قرأتم الدراسة التي تظهر أنّ «فوكس نيوز» نجحت في الوصول إلى هدفها في نشر الأخبار المغلوطة، وخصوصاً أنّ مشاهديها مشهورون بأنّهم لا يعرفون شيئاً عما يحصل خلال أي يوم عادي. كذلك قال الصحافي بول كروغمان منذ أيام، إنّ الجمهوريين في لجنة التحقيق في الأزمة المالية صوّتوا لسحب عبارات «إزالة القوانين» و«المصارف الخفية» و«العلاقات الداخلية» و«وول ستريت» من تقرير اللجنة، مصرون على تضمينه «الحقائق» التي ليست في الحقيقة، حقيقية. هذه أدلة إضافية على أنّ اليمين بنى بنجاح بنية من «حقائقه» الخاصة، متعارضة مع الواقع. إذاً ستغفرون لي إذا كنت لا أخاطر بليّ كاحلي عبر القفز فرحاً بسبب إبطال قانون «لا تسل، لا تقل»، الذي تأخر 17 عاماً (كان يجب في الأصل ألا يُعتمَد)، وتطلب تخطي فيتو الجمهوريين ومعارضة مترسخة لتحقيقه. وأتمنى أن تكونوا قادرين على التعاطي مع ما يعتقده ماكين حيال هذا النهار من أنّه كان «حزيناً»، حتى لو أنّه ساند مرة الإبطال، لو كان قادة الجيش يساندونه، وهذا ما يحصل اليوم.
بالنسبة إليّ، لا يتعلق الموضوع بنسبة تنوّرنا التي تخولنا أن نسمح للأميركيين المثليين والمثليات بخدمة بلادهم، لكن بكيف كنا بطيئين في التوقف عن قمع مجموعة لأنّ أعضاءها مختلفون. ونحن نستمر في السماح بالمعاملة السيئة للمثليين والمثليات بطريقة قد تبدو غير مقبولة للأقليات العرقية، الدينية والإثنية. هذا يذكرني بأنّنا بدونا كمن لم يتعلم شيئاً من معاملتنا الممأسسة السيئة للسود، الأميركيين من أصل ياباني وغيرهم في الثلاثينيات، الأربعينيات والخمسينيات.
أنا سعيد جداً بأنّ قانون «لا تسل، لا تقل» مات. لكنّني لا أستطيع إلا أن أجد أموراً سيئة أكثر من تلك الجيدة، مرتبطة بهذا الإبطال.
* عن صحيفة «هافينغتون بوست» الإلكترونية

قوس التاريخ





أندرو سوليفان *
تنتابني مشاعر كثيرة اليوم. أفكر كثيراً في الماضي، وخصوصاً في العدد الذي لا يحصى من الرجال المثليين والنساء المثليات الذين خدموا هذه البلاد بشرف خلال عقود وقرون. اليوم هو يومهم كما هو يوم الجنود المثليين الحاليين. يؤلف هؤلاء فرقة عسكرية عبر الوقت استطاعت أخيراً أن تدخل في فسحة الكرامة المتساوية.
نعم، إنّ طريق الجنود المثليين مختلف عمّا عاناه الجنود السود. على عكس الاستبعاد الوحشي والفصل العنصري بحق الجنود الأميركيين من أصول أفريقية، كان الجنود المثليون في الصفوف العسكرية دائماً، لكن في قفص يكاد يكون خفياً من الكذب الإجباري والخوف غير الإرادي. لكن تأثير تحريرهم ليصبحوا أعضاءً فخورين في الجيش هو مماثل على أي مجموعة أخرى من الأميركيين. يعني ذلك، كما كان بالنسبة إلى أول جنود سود حاربوا من أجل الاتحاد، أنّ هذه البلاد هي بلادهم للمرة الأولى، لأنّها سمحت لهم أخيراً بأن يحاربوا ويموتوا من أجلها دون الكذب حول حقيقتهم. لقد تخلصوا من عبء العار الإلزامي. فقط الذين عملوا تحت هذا الضغط النفسي الكبير يستطيعون أن يعرفوا كم أنّ هذا الشعور يحرر.
لقد مرت أكثر من ثلاثة عقود على ظهور ليونارد ماتلوفيتش [أول جندي أميركي يعلن مثليته ويحارب للبقاء في المؤسسة العسكرية في السبعينيات، وهو حارب في فييتنام] على غلاف مجلة «تايم». لقد مر أكثر من عقدين على بدء هذا النضال للوصول إلى عالم الممكن سياسياً. من سياسة «لا تسل، لا تقل» غير التسووية المؤلمة، وأرقام التسريح الكبيرة خلال عهد الرئيس كلينتون، وحروب واختراقات الزواج المدني خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وصولاً إلى تقرير وزارة الدفاع الهادئ والمنطقي في كانون الأول 2010، كان الطريق غير مستقيم. يجب علينا أن نتذكر كل هذا. نحتاج إلى أن نتذكر باستمرار أنّ أي تحرك للحقوق المدنية سيتعرض لانتكاسات، وفترات سوداء، وفترات تكسر فيها حدّة اليأس أقوى النفوس.
لكن يجب علينا أيضاً أن نقول إنّ ما ربحناه في النهاية كان وقائع وشهادات وحقيقة. لا أساس منطقياً لمنع مثليين كفوئين وملتزمين من الخدمة في الجيش. إنّ ما دفعنا قدماً هو الثقة في هذه الحقيقة، لا الإصرار على هوية معينة أو حقوق مميزة. وأقنع الكشف عن حيوات حقيقية وسجلات خدمة جنود مثليين، الكثيرين. هؤلاء الجنود أعلنوا مثليتهم وخاطروا بحياتهم للشهادة على الحقيقة. كان لهؤلاء الرجال والنساء الشجاعة لخدمة بلادهم، ثم الشجاعة للمخاطرة بمهنتهم، ترقياتهم، معاشاتهم التقاعدية، رواتبهم، وفي بعض الأحيان حياتهم للوصول إلى هذا النهار. يمثل هؤلاء في أحيان عدّة أغلبية صامتة من رجال ونساء مثليين ومثليات يريدون ببساطة أن ينتموا إلى عائلاتهم وبلادهم وكنائسهم ومجتمعاتهم التي يحبونها، والمساهمة فيها من دون أن يضطروا إلى الكذب بشأن حقيقتهم. هذا في النهاية، ليس من الحق في أن يكون المرء مثلياً، لكن الحق في خدمة أميركا. مثل كلّ تحركات الحقوق المدنية الكبرى، يعود الامر في النهاية الى العطاء وليس الأخذ.
يدل هذا على حقيقة أعمق. برأيي، يجب على حركة الحقوق المدنية ألا تكون متعلقة بخلق طبقة منفصلة ومحمية من الضحايا. يجب أن تكون عن توسيع دائرة الحرية الإنسانية كي لا يبقى هناك أعذار ولا طبقات مؤلفة من ضحايا محددين مسبقاً، لكن مواطنين فرديين يعيشون حيوات مختلفة دون عنصرية.
لا ينكر ذلك فرادة الثقافات المختلفة، أو قيمة الأقليات المميزة، والاختلاف في العرق والجنس والتوجه والدين والجغرافيا. لكن يقول بكل بساطة إنّ السياسة يجب ألا تعبأ بأصوات النشاز ومهرجان الألوان. يجب على السياسة ببساطة أن تعالج عدم المساواة المدنية الجوهرية التي تبقي المجموعات منفصلة، غريبة عن بعضها وتتبادل الشك في ما بينها. إنّ إلغاء المنع على الخدمة العسكرية والزواج، يجعل حركة الحقوق المثلية تحوّل أميركا ببطء إلى الكمال وتجعل من نفسها بالية.
أتوق إلى هذا النهار. لكني سأعتز دوماً بيومنا هذا.
* عن مجلة «ذا أتلانتيك»