الجزائر | عاد التوتّر الدبلوماسي على خطّ الجزائر - بروكسل، بعد أن أصدر النواب الأوروبيون بإجماع فاق 600 صوت، يوم السبت الماضي، لائحة تدين بشدّة «تدهور حقوق الإنسان» في البلاد. وتضمّنت هذه «اللائحة المستعجلة غير الملزمة» وفق تسميتها، سرداً بتفصيل كبير لمسائل الحقوق والحرّيات منذ انطلاق الحراك الشعبي في شباط/ فبراير 2019، لكنها تجاوزت ذلك إلى الخوض في الأزمة السياسية واقتراح حلول على السلطات الجزائرية، والتدخل حتى في ما يخصّ وضع المؤسسة العسكرية، وهي مسائل سيادية حسّاسة لم تتجرّعها السلطة الرسمية، وما يدور حولها من أحزاب داعمة، فيما استغربت المعارضة السياسية مضمونها وحذّرت منه.

وفي نصّ اللائحة، يُوجّه النواب الأوروبيون دعوة صريحة للهيئات التنفيذية للاتحاد الأوروبي، إلى متابعة حالات «سجناء الرأي» في الجزائر والعودة إليهم بتقارير حول تطوّر الوضع، ما اعُتبر محاولة لفرض رقابة دولية في الجانب الحقوقي على الجزائر. وتَطلُب اللائحة، من السلطات الجزائرية، الإفراج الفوري وغير المشروط عن الصحافي خالد درارني وجميع المحتجزين والمتهمين بسبب ممارسة حقهم في حرية التعبير، سواء على الإنترنت أو خارج ذلك. غير أن أكثر ما أثار الانتباه، خارج قضايا سجناء الرأي التي تحظى بتضامن واسع في الجزائر، هو احتواء اللائحة على توصية تحمل الرقم 14، يتمّ فيها حثّ السلطات الجزائرية على «ضمان المساءلة الكاملة والرقابة المدنية والديموقراطية على القوات المسلحة، وإخضاعها الفعلي لسلطة مدنية مُشكَّلة قانونياً، وضمان تحديد دور الجيش على النحو المناسب في الدستور»، بحيث «يقتصر على مسائل الدفاع الوطني».
وبغضّ النظر عن موقف البعض في الجزائر من تدخّل الجيش في السياسة، إلا أن هذه النقطة أثارت التساؤل، لكونها شأناً سيادياً جزائرياً، لا يمكن لطرف أجنبي فرض تصوّر حوله. هذا ما دفع الناطق باسم الحكومة الجزائرية، عمار بلحيمر، إلى اعتبار أن المستهدف هو الجيش الذي يُراد، بحسبه، «إبعاده من دوره التاريخي الطبيعي في حماية الدولة ــ الأمة، الذي يُعدّ الضامن الوحيد للسيادة الوطنية والازدهار والعدالة الاجتماعية». وإلى جانب ما تقدّم، استغرب الناطق الرسمي دعوة اللائحة إلى إشراك البربر أو الأمازيغ في تسيير الشأن العام، وهي مسألة غير مطروحة في الجزائر، مُحذّراً من «محاولات إضفاء العرقية على الحياة السياسية، بل والقبلية على الهوية الجزائرية».

استنكرت الحكومة «اللهجة الحاقدة التي تشوبها روح الاستعلاء لهذا النص»


كذلك، أثارت توصية البرلمان الأوروبي بـ»إنشاء فضاء مدني حرّ يسمح بإجراء حوار سياسي من أجل الانتقال السياسي» الجدل نفسه، بعدما اعتبرها بعض السياسيين محاولة لفرض أجندة خارجية على البلاد. وفي هذا الإطار، رأى حزب «جبهة التحرير الوطني»، الذي يملك الأغلبية البرلمانية، أن «هذا التدخل السافر هدفه التأثير على مسار الإصلاحات التي تباشرها الدولة الجزائرية بكلّ سيادة». وتساءل حزب «التجمّع الوطني الديموقراطي»، بدوره، عن الخلفيات التي تقترن بصدور هذه اللائحة من حيث التوقيت ومن حيث طبيعة التوظيف، معتبراً أن مضمون اللائحة ينمّ «بدون أدنى شك عن سلوك سياسي غير مسؤول وغير بريء». أما حركة «الإصلاح»، الداعمة للرئيس عبد المجيد تبون، فقد قدّرت أن «مضمون اللائحة يفضح أهدافها غير البريئة في هذه المرحلة التي تشهد تطورات إقليمية ودولية مقلقة».
ومن جانب المعارضة، تفاوتت القراءات في تناول ما صدر عن البرلمان الأوروبي، إذ قال عبد الرزاق مقري، رئيس «حركة مجتمع السلم»، كبرى الحركات الإسلامية، إنه يدين هذه اللائحة بشدة، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أنه «لا حلّ لحفظ البلاد من مخاطر وتهديدات وابتزاز المؤسسات الغربية المنافقة سوى بصناعة ديمقراطية حقة بأيدينا». أمّا لويزة حنون، زعيمة حزب «العمّال» (أقصى اليسار)، فقدّمت رؤية مغايرة للائحة، بحيث اعتبرت أنها تصبّ في خدمة السلطة الجزائرية، في إطار ما وصفته بـ»سياسة تبادل الأدوار، لإجهاض الثورة الجزائرية». وتشير حنون بكلامها إلى تصريحات الرئيس الفرنسي التي أثنى فيها بقوة على الرئيس تبون الذي لا يزال في ألمانيا لتلقّي العلاج، وعلى إصلاحاته السياسية، وهو ما يناقض تماماً مضمون اللائحة الأوروبية.
وعلى المستوى الرسمي، استعملت الخارجية الجزائرية لغة شديدة الغضب في الردّ، فقالت إنها «تُكذّب مع أقصى قدر من الازدراء جملة الاتهامات الباطلة المتداولة في ردهات البرلمان الأوروبي». وهدّدت بأن هذه الوثيقة «لن يترتّب عنها سوى المساس بعلاقات الجزائر مع شركائها الأوروبيين»، واستنكرت ما وصفته بـ»اللهجة الحاقدة التي تشوبها روح الاستعلاء لهذا النص الذي أبان عن العداء الدفين الممتدّ للحقبة الاستعمارية الذي تُكنّه بعض الأوساط الأوروبية للشعب الجزائري ولخياراته السيادية». وتَدعّم بيان الخارجية بردّ فعل الناطق الرسمي للحكومة الذي اعتبر أن خلفية اللائحة الأوروبية، عدا مسألة الجيش، هي الانزعاج من رغبة الجزائر في إعادة تقييم اتفاق الشراكة الذي وصفه بـ»الصفقة الجوفاء»، ورفضها مطابقة سعر الغاز الذي تبيعه لأوروبا مع سعر البترول، وكذلك رفضها استيراد سيارات الديزل القديمة من أوروبا بسبب تلويثها للبيئة، وأخيراً رفضها موجة التطبيع العربية مع الدولة الصهيونية، وهو ما يُعّرضها بحسبه لهجمات من كلّ حدب وصوب.
لكن كلّ هذه الموجة المندّدة لم تمنع من ظهور مؤيّدين للائحة البرلمان الأوروبي، خاصة من جانب بعض المنظّمات الحقوقية التي رأت في بيان لها هذه الخطوة «ضرورية وفي وقتها المناسب، لمواجهة الحملة القمعية المتصاعدة ضدّ المجتمع المدني والناشطين السلميين والفنانين والصحافيين في الجزائر، والحملة المُوجّهة ضدّ استقلال القضاء». واعتبرت المنظّمات المُوقِّعة أن «ثمة حاجة ملحّة لتحرّك علني وجماعي من المجتمع الدولي في سبيل حماية حقوق وحريات المواطنين الجزائريين، بما في ذلك حقهم في المشاركة بحرّية في الحياة العامة في بلدهم»، وذلك في خضمّ ما وصفته بـ»التدهور السريع والتضييق على المجتمع المدني والحرّيات الأساسية».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا