قاربت إدارة الرئيس الأميركي المنتهية ولايته، دونالد ترامب، الأزمة الليبية من منظور «فكّ الارتباط»، والاكتفاء بمراقبة الأدوار الإقليمية والدولية وتأثيراتها في المتنافسين الليبيين، سواء حكومة «الوفاق» التي تآكلت شعبيّتها على الأرض بشكل ملفت، وأضحت تعتمد في بقائها بالأساس على دعم أممي وغربي؛ أو معسكر اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي تَبنّى أجندات متضاربة، مُعوِّلاً على خبرته السياسية المتراكمة منذ وجوده في «لانجلي» مقرّ المخابرات المركزية الأميركية قبل ثلاثة عقود. على أن المقاربة الأميركية سَجّلت مفارقة ملفتة في نيسان/ أبريل 2019، عقب اتصال ترامب بحفتر، وما تَردّد عن دعم الأول للأخير - في ما تمّ نفيه لاحقاً من قِبَل مسؤولين في البيت الأبيض - في خضمّ خوضه حملة «لفتح طرابلس» منذ مطلع الشهر نفسه، وقبل أيّام من موعد كان مقرّراً لعقد «المؤتمر الوطني الجامع» بمقتضى جهود وترتيبات أممية ووطنية ليبية استمرّت نحو عامين قبل الهجوم. ولاقت هذه السياسة ترحيباً كبيراً من حلفاء ترامب في المنطقة، لاتّساقها مع طبيعة تدخلهم في الأزمة الليبية. وعلى رغم إعلان الخارجية الأميركية تكراراً الوقوف وراء حكومة «الوفاق»، إلا أن سلوك ترامب المضطرب عَزّز مواقف حفتر والأطراف الإقليمية الداعمة له، والدفع بعيداً عن قبول تسوية سياسية مسبوقة بوقف شامل لإطلاق النار.

وأنبأ دخول تركيا، عسكرياً، على خطّ الأزمة الليبية، بوجود ضوء أخضر أميركي للوصول إلى حافة الحرب المفتوحة، قبل أن تعلن الولايات المتحدة في منتصف العام الجاري دعمها وقفاً لإطلاق النار، وتُصعّد لهجتها التحذيرية من التدخل الأجنبي العسكري في ليبيا (خاصة منذ آب/ أغسطس 2020)، ويتزايد ضغط مجموعات في مجلس النواب الأميركي على ترامب، المذهول بهزيمته الانتخابية، قبيل منتصف الشهر الجاري للقيام بتحرّك لخفض الانتهاكات الكبيرة لقرار حظر صادرات السلاح إلى ليبيا، وضمان عدم استخدام الأسلحة الأميركية في الصراع الدائر في البلاد، وفرض عقوبات تجارية على الدول التي تنتهك هذا القرار، وفي مقدّمتها روسيا وتركيا والإمارات، حسب خطاب مجموعة نواب في مقدّمتهم كوري بوكر.
أمّا إدارة الرئيس الأميركي المنتخب، جو بايدن، فيُرجَّح أن تعمد إلى إعادة الارتباط بالملف الليبي في سياق أشمل، لاعتبار روسيا وسياساتها «العدو الأكبر» للمصالح الأميركية في العالم، وفي ليبيا أيضاً. على أن زخم الدور الأميركي، ولا سيما في بداياته، يتوقف على مدى تبنّي الفرقاء الأوروبيين سياسة «ليبية» متماسكة. في هذا السياق، فإن هناك عدّة ملاحظات جديرة بالاعتبار، منها أن للرئيس المنتخب موقفاً شهيراً إزاء ليبيا حينما كان نائباً للرئيس الأسبق باراك أوباما، شَكّل مثار خلاف مع هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية في الإدارة نفسها والمرشّحة الديمقراطية بعدئذ، وفحواه معارضة التدخل في ليبيا، التي رأى بايدن، في حديث إلى شبكة «CBS» منتصف حزيران/ يونيو 2016، أنها أصبحت برحيل معمر القذافي «منقسمة ومرتعاً للتطرف»، معتبراً أنه «على الولايات المتحدة عدم اللجوء لاستخدام القوة (في ليبيا أو غيرها) إلا في حالة تعرّض مصالحها أو حلفائها لتهديد مباشر».

قد تجنح إدارة بايدن نحو سياسة أكثر جدّية من أجل تعويض الغياب الأميركي


وبينما يُتوقع استغراق الرئيس الجديد بنسبة لا تقلّ عن 80% في القضايا المحلّية الأميركية، فإنه لا يُنتظر لأسباب عملية انخراطه فعلياً في سياسات الشرق الأوسط عامة وليبيا خاصة إلّا بحلول ربيع عام 2021. وفي هذا الإطار، يفترض أن تجنح إدارة بايدن نحو دعم جهود الأمم المتحدة لتسوية الأزمة، وضمان سلاسة المسار الحالي وصولاً إلى عقد الانتخابات الوطنية في كانون الأول/ ديسمبر 2021 حسب اتفاق الأطراف الليبية في تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، خصوصاً أن «ليبيا مستقرّة» تصبّ في مصلحة انخراط أميركي أكبر في شؤون المنطقة، ومسائل استكشافات الغاز واستغلاله، بما يتّسق مع سياسة خارجية تعيد الاعتبار إلى المصالح البعيدة المدى.
وبشكل عام، ثمة سيناريوان رئيسان لمقاربة بايدن للملف الليبي: أوّلهما اقتفاء أثر أوباما في التحفّظ إزاء التزام أميركي قوي في ليبيا، على اعتبار أنها مسألة تهمّ الحليف الأوروبي في المقام الأول. ويُتوقع، والحال هذه، أن يواصل بايدن سياسة حذرة نوعاً ما إزاء أيّ تدخلات عسكرية جديدة، وأن يستبدل بذلك الدفع بقوة بالمسار الدبلوماسي. أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر إحكاماً، فأن تجنح إدارة بايدن نحو سياسة أكثر جدّية من أجل تعويض الغياب الأميركي، وما ترتّب عليه من تنامي نفوذ القوى الدولية والإقليمية في الملف الليبي، وثبوت عدم فاعلية سياسة ترامب بترك المجال أمام تدخلات تلك القوى من دون أيّ تحفّظات، والاستفادة من وضع واشنطن باعتبارها الطرف الوحيد الذي يمكنه مخاطبة جميع أطراف الأزمة. ويُعزّز ذلك السيناريو كون ليبيا واحدة من الساحات الساخنة لمواجهة أميركية - تركية مرتقبة، بل وحتمية، بعد أن لعبت تركيا دور التخادم لمصلحة إدارة ترامب في العديد من الملفات الأميركية في القارّة الأفريقية (كما في إقليم الساحل، والصومال، وليبيا). وهو دور سيعاد ضبطه أو النظر فيه كلّياً في ظلّ إدارة بايدن، على رغم الإشارات الإيجابية التي أبداها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، خلال تهنئته الرئيس المنتخب، وتأكيد وزير خارجيته مولود جاويش أوغلو وجود فرص عديدة للمساعدة في تحسين العلاقات الثنائية، ولا سيما تعاونهما في «إنهاء الصراع في سوريا وليبيا». وفي السياق المتقدّم، توقّع رئيس الوزراء اليوناني، كيرياكو ميتسوتاكيس، انخراطاً أكبر لإدارة بايدن في تهدئة التوتر في شرق المتوسط، وفي القلب منه أزمة ترسيم الحدود البحرية التركية - الليبية.
ومن جهة مقاربة أطراف الأزمة للإدارة الجديدة، تُلاحظ مبادرة رئيس «الوفاق»، فائز السراج، إلى إرسال رسالة متعجّلة إلى بايدن، يُهنّئه فيها، ويُعبّر عن تطلّعه إلى العمل معاً «لتحقيق دولة ديمقراطية مدنية في ليبيا»، في خطوة استباقية لتوقُّع السراج لنفسه دوراً جديداً مستقبلاً بعد سحب استقالته التي تَعهّد بها في تشرين الأول/ أكتوبر الفائت، وموحية في الوقت ذاته بسعي الأطراف الليبية إلى الحفاظ على التوازن القائم حتى آخر لحظة ممكنة. أمّا حفتر، الذي حظي بتقدير مبالغ فيه بقدرته على حسم الصراع في ليبيا، فإنه عَوّل على علاقات وطيدة مع ترامب ومصالح شركات البترول الأميركية التي لا تزال عاملة في ليبيا (أهمّها Worldwide Strategic Energy في تكساس)، واستغلال ثغرات مقاربة واشنطن المزدوجة في الأزمة الليبية، وما اعتبره مراقبون تفاوتاً في دعم ترامب لحفتر مقابل دعم وزارتَي الدفاع والخارجية لـ«الوفاق». على أنه في ظلّ إدارة بايدن، سيضيق هامش المناورة أمام حفتر، إلّا في حالة صياغة دور جديد له بدعم إقليمي في المقام الأول، وربما بمشروطيات عالية على مرحلية دوره كضمانة للاستقرار الأمني في عملية التسوية السياسية الجارية.
في النهاية، في ما صار مثالاً لأزمة دولة مرهونة بالأساس بارتباطات الفاعلين المحلّيين بآخرين إقليميين ودوليين، يُتوقع أن تشهد الأزمة الليبية حلحلة في ظلّ إدارة بايدن، وإن ظلّ ذلك التوقع رهناً بمواقف الأطراف الداخلية، التي لا يبدو إلى الآن أنها قرّرت منح الفرصة لخيارات الشعب الليبي خارج الاستقطابات السياسية والعسكرية، وباتت تُقدّر تآكل أرصدتها لدى الليبيين، وانكشاف تشابكاتها الخارجية التي تضع المواطنين في نهاية أولويات أجنداتها.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا