لا تزال الخلافات بين الأطراف الليبية قائمة، حتى بعد توقيع «اتفاق جنيف» الجمعة الماضي؛ إذ إن ثمة نقاطاً عالقة لم تُحسم. صحيح أن جميع الأطراف ملتزمة وقف إطلاق النار لأسباب تخصّ مصالحها وإعادة ترتيب أوراقها الداخلية، إلا أن هذا الوضع لن يستمرّ إلى ما لا نهاية، مع استمرار الصراع والمشكلات العالقة. وعليه، يمكن اعتبار وصْف وزير الدفاع في حكومة «الوفاق الوطني»، صلاح النمروش، الاتفاق الأخير بأنه «مبدئي»، الأدقّ، علماً بأن النمروش لا يزال يرفض وقف التعاون العسكري مع تركيا، وخاصة أن جزءاً أساسياً من بقاء «الوفاق» حتى اليوم يعود إلى الدعم التركي غير المحدود، مقابل مكاسب مالية تجنيها أنقرة بموجب الاتفاقات الموقّعة منذ نهاية العام الماضي.

وليس التعاون التركي ــــ الليبي منعزلاً عن الصراع في المتوسّط، وخاصة أن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين «الوفاق» وتركيا هي إحدى الضمانات الأساسية بالنسبة إلى الأخيرة في صراعها مع جيرانها على الثروات الكامنة في أعماق البحر الأبيض المتوسط، إلى جانب الصدام مع جيرانها الأوروبيين في شأن ترسيم الحدود البحرية. ومع أن أطرافاً دولية متعدّدة، لا عربية فقط، ترغب في إقصاء تركيا من المشهد الليبي، إلا أن الواقع يؤكد أن لا اتفاق من دون توافق مع أنقرة في نقاط عدّة، عبر «الوفاق» ورئيسها فائز السراج، الذي يبدو أنه عَدَل عن رغبته في الاستقالة مؤقتاً حتى تسوية الأمور العالقة.
وسط ذلك، تبدو الأمم المتحدة مبالِغة في تفاؤلها، على رغم المعطيات التي تعاكسها على أرض الواقع. فمع بداية «ملتقى الحوار السياسي الليبي» افتراضياً أمس، وهو يضمّ 75 شخصية ليبية اختيرت بناءً على معايير تُمثّل الفئات المختلفة طبقاً للأمم المتحدة، لم يكن الإعلان أنه لا دور للشخصيات المختارة خلال المرحلة الانتقالية، وأنها لن تترشّح لأيّ منصب، كافياً لإنهاء الجدل والغضب من نسب تمثيل تيّارات عدة. مع ذلك، من المقرّر أن يستمرّ هذا الملتقى افتراضياً حتى انعقاد الحوار المباشر في العاصمة التونسية في التاسع من الشهر المقبل. خطوةٌ تأمل الأمم المتحدة أن تؤدّي في النهاية إلى اتفاق على جدول زمني للمرحلة الانتقالية، متضمّن إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية والاستفتاء على دستور يحدّد شكل الحكم مع تمثيل شامل.
تقول مصادر مواكبة إن مهمة «ملتقى الحوار» حالياً مناقشة آليات اختيار المجلس الرئاسي ورئيس الحكومة والوزراء، وهي مرحلة يسبقها الاتفاق على مجموعة من المعايير في شأن آليات اتخاذ القرار ومعايير الاختيار وغيرها. وتستدرك المصادر أن تركيا ليست المعرقل الوحيد للاتفاق، لكنها «الوحيدة التي تتحدّث بصراحة وعلناً عن العوائق الموجودة»، وخاصة أن صمت أطراف أخرى يثير القلق، ولا سيما أن تعليق الاتفاقات كافة سيتضمن إضراراً بما هو موقّع بين قوات خليفة حفتر ومصر، إلى جانب وقف المساعدات غير المعلنة من الخليج.
على أيّ حال، جميع الأطراف حالياً متفقة على تهدئة الاشتباك العسكري بصورة شبه كاملة، لكن من دون إقرار بأنه لم يتمّ الوصول إلى تسوية نهائية. وإلى حين ذلك، ستُعطى المساحة للأمم المتحدة للبدء في مسار سياسي حقيقي، لكن وفق الشروط التي سيصوغها المتحاربون عبر ممثليهم. وفي هذا الإطار، تقول الأوساط المعنيّة إن «جنيف» وضع إطاراً لعدد من خطط العمل خلال المرحلة المقبلة، وفي مقدّمتها التحرك تجاه المسار السياسي وفق ضوابط عامة، لكن من دون آليات واقعية للتنفيذ، مع الاتفاق على تثبيت الهدنة العسكرية لثلاثة أشهر على الأقل، هي المهلة المحدّدة لإخراج المرتزقة من ليبيا وحلّ ملفهم.
ما برز بعد الاتفاق هو تزايد الأصوات المناهضة له من داخل كلّ تيار، بما فيها قوات حفتر والبرلمان المنعقد في طبرق. فعلى رغم ترحيب اللواء المتقاعد به، لم تسفر رحلة الباحث عن ضمانات عن نتائج. أمّا في البرلمان، فينتقد نوابٌ زملاءهم الذين وقّعوا على الاتفاق من دون حسم بعض الأمور، ولا سيما مصير الاتفاقات الموقّعة مع الأطراف الإقليمية والدولية. وإلى جانب هذه الخلافات الداخلية التي تحتّم استمرار الهدنة كي لا ينفجر الوضع، يتواصل الغضب الشعبي من تردّي الخدمات في جميع المناطق، سواء الخاضعة لطربلس أو الشرق. على أنّ، في المقابل، ثمّة اطمئناناً إلى استمرار إمدادات النفط وتأمين مسارها من دون اعتراضات، لتبقى الهدنة الراهنة مُرضِية لجميع الأطراف حتى إشعار آخر.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا