بُعيد انطلاق هجوم قوات المشير خليفة حفتر على طرابلس في 4 نيسان 2019، تجمّدت جبهات القتال لأشهر طويلة بشكل شبه كامل، ولم تكسرها سوى استعادة قوات حكومة «الوفاق الوطني» لمدينة غريان الجبلية (80 كلم جنوبي العاصمة) التي مثّلت مركز قيادة الهجوم لفترة، ومن ثمّ خسارتها مدينة سرت الساحلية وسط البلاد. القاسم المشترك بين العمليتين ليس شدّة المعارك، بل تبدّل ولاءات فاعلين محلّيّين سمح بتغيّر موازين القوى بلا قتال كبير.

على عكس ذلك، شهدت أحياء جنوب طرابلس المكتظّة بالسكّان قتالاً شرساً، سقط فيه مئات القتلى من الطرفين، وأدّى إلى مقتل وجرح عدد كبير من المدنيين ونزوح أكثر من 200 ألف آخرين. صارت أحياء جنوب العاصمة أشبه بمنطقة عازلة بين مدينة مليونية شمالاً وضواحٍ مكشوفة قليلة السكّان جنوباً، مع دمار كبير في البنى التحتية والمنازل التي نُهب أيضاً عدد كبير منها.
لكنّ الوضع بدأ يتغيّر الشهر الماضي مع تبنّي قوّات «الوفاق» خطّة عسكرية جديدة. بدل محاولة دحر قوّات حفتر جنوباً أو محاولة استرجاع سرت شرقاً، فتحت قوّات «الوفاق» جبهة جديدة في الغرب، فسيطرت في وقت وجيز على سلسلة مدن ساحلية مهمّة وصار مجال نفوذها يمتدّ من مصراتة شرقاً، وصولاً إلى الحدود التونسية غرباً.
لم تقاوم قوّات حفتر تلك الحملة بشكل كبير، وفضّلت التراجع جنوباً وتركيز جهودها على الهدف القادم والأهم: قاعدة «الوِطْيَة» الجوّية الواقعة في مجال صحراوي قرب الحدود مع تونس. تتمثّل أهمّية القاعدة في كونها الوحيدة في المنطقة، وهي تحت سيطرة قوات حفتر منذ أن أطلق «عملية الكرامة» عام 2014، وتمثّل نقطة انتقال للأسلحة والجنود ومحطّة انطلاق للطائرات.

حصل التطوّر عبر اختبار الخطوط الحمر الدوليّة التي تبيّن مع الوقت أنها غير موجودة


الهجوم على «الوطية» تم على مراحل وتطلّب وقتاً، وشهد مدّاً وجزراً. حُسمت المعركة أخيراً بخليط بين الهجمات البرّية والجوّية عبر طائرات «بيرقدار» التركية المسيّرة، وتوجد أخبار عن مشاركة بارجة تركية راسية قبالة الساحل الليبي، لكن لا توجد أدلّة على ذلك حتى الآن. مثّل سقوط القاعدة صدمة لقوّات حفتر التي حاولت تبرير الأمر بالقيام بانسحاب تكتيتي، لكنّ الأسلحة التي خلّفتها تلقي ظلالاً من الشكّ على ذلك، ولا سيما أن من بينها منظومة دفاع جوي روسية من طراز «بانتسير» اشترتها الإمارات ونشرت منها عدة قطعات في ليبيا.
توضّحت خطّة «الوفاق» أكثر بعد السيطرة على القاعدة، إذ واصلت تمدّدها جنوباً إلى الجبل الغربي، ثم انحازت شرقاً، أمّا الهدف النهائي فهو قطع خطوط الإمداد بين وسط البلاد وترهونة المرتبطة جغرافياً بجنوب طرابلس.
لم تبق قوّات حفتر وداعموها مكتوفي الأيدي طوال هذه المدة، إذ هاجموا مطار الكلّية الجوّية في مصراتة بشكل مكثّف في عملية أطلق عليها اسم «طيور الأبابيل»، وقد أدّت إلى انفجارات قويّة شبّه السكّان أثرها بالرجّة الأرضية. تم أيضاً قصف قوات «الوفاق» في عدّة أماكن، أهمّها غريان، واستعملت في هذه العمليات طائرات «وينغ لونغ» المسيّرة الصينية الصنع التي وفّرتها الإمارات، وانتشرت أخبار عن مشاركة طائرات مقاتلة متطوّرة، وقد أكّدت القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، في بيان الثلاثاء، توظيف روسيا طائرات قتالية في ليبيا، ونشرت صوراً لها وهي على أرضية مطار «الخادم» شرق البلاد.

تطوّر حضور أنقرة
قبل بدء الهجوم على طرابلس العام الماضي، لم يكن الحضور العسكري التركي في ليبيا لافتاً، إذ اقتصر على شحنات أسلحة خفيفة أغلبها يحوي أسلحة صوت صارت تجارتها رائجة في ليبيا، وعربات مصفّحة أو شحنات متفجّرات نفت أنقرة علمها بها. لكن تغيّر الأمر تدريجياً.
جاء التدخّل التركي بشكل تصاعدي، وانتقل تدريجياً من تأمين وضع دفاعيّ لقوات حكومة «الوفاق» إلى الانتقال للمبادرة بالهجوم والتوسّع ميدانياً. بدأ الأمر بإرسال عربات مدرّعة وأسلحة متوسّطة، ليتطوّر ويشمل خبراء عسكريين وطائرات قتالية مسيّرة كان لها الأثر الأهم ميدانياً، وأنهتها بإرسال آلاف المقاتلين السوريين المنتمين إلى فصائل موالية لها، أغرتهم بالمال ووعود التجنيس وبالترهيب كذلك، مع أن جزءاً منهم شارك لأهداف أيديولوجية أو للانتقام من روسيا في ميدان مختلف.
حصل التطوّر عبر اختبار الخطوط الحمر الدوليّة التي تبيّن مع الوقت أنها غير موجودة في ظلّ لامبالاة واشنطن بالملف الليبي وانقسام الدول الأوروبية، وكذلك ضمن منظور التنافس مع روسيا والإمارات ومصر بدرجة أقلّ عبر التصعيد المتبادل، وعقب محاولات تقارب مع موسكو أُحبطت نتيجة رفض حفتر الانخراط في حل سياسي تكون أنقرة جزءاً فيه (بدفع من الإمارات وفق تصريحات مسؤولين ليبيين).
عمليّاً، تفوّقت تركيا على خصومها باستعمال أساليبهم نفسها، إذ وظّفت طائرات مسيّرة مقابل الطائرات المسيّرة المموّلة إماراتياً، ومقاتلين سوريين مقابل مقاتلي شركة «فاغنر» الروسية الذين سُحب مئات منهم في الأيّام الماضية من ترهونة وجنوب طرابلس ورُحّلوا عبر مطار مدينة بني وليد إلى مناطق أخرى بعد تضييق الخناق عليهم ومقتل عنصر منهم على الأقلّ، قالت تقارير متطابقة إنه صربي الجنسية وسبق أن حارب في كوسوفو وسوريا.
مع ذلك، تلتزم أنقرة بعض المحاذير حتى الآن، على رأسها عدم توسيع نطاق تدخّلها إلى شرق البلاد، وقد يعود ذلك إلى خشيتها من الاقتراب مما تعتبره مصر مجالها الحيوي في ليبيا. عبّرت القاهرة أخيراً عن قلقها من مجريات الأمور، لكن يُستبعد حالياً تدخّلها مباشرة في الصراع ما لم تصبح تركيا على حدودها مباشرة.
حتى الآن، تبدو بوادر الحل غائبة، وخاصّة مع الفراغ الذي سبّبته استقالة غسان سلامة، لكن جدّت تطوّرات لافتة للانتباه في هذا الصدد. عكس المواقف الجافّة، والتي تبدو أحياناً داعمة لجهود المشير حفتر العسكرية، أصدر السفير الأميركي في ليبيا الإثنين بياناً أكد فيه دعم بلاده لحكومة «الوفاق». وفيما حضّ طرفَي النزاع على الوصول إلى حل سلمي، استنكر وجود «قوى تسعى إلى فرض نظام سياسي جديد عبر أدوات عسكرية»، في إشارة واضحة إلى حفتر. قد يتحوّل ذلك إلى ضغط وإلزام بالتفاوض الجدّي، لكن مواقف الولايات المتحدة تجاه ليبيا متقلّبة وتفتقر إلى منهج واضح وتتدخّل في صياغتها شركات علاقات عامّة تموّل من طرفَي النزاع والداعمين الخارجيين، ما يصعّب استقراء تطوّراتها.
في الأثناء، صارت تركيا أكبر طرف خارجي فاعل في ليبيا في غضون أشهر. وقد أظهرت أنقرة براغماتية لافتة في التعامل مع الملف، إذ استعملت النزاع لاستعراض نتاجها العسكري (وقد تلقّت من حكومة «الوفاق» ثمنه كاملاً وفق ما تظهر وثائق رسمية مسرّبة)، وتحقيق نصر سياسي وعسكري أوّلي على خصومها الإقليميين، يشمل اتفاقية ترسيم الحدود البحرية وتداعياتها، كما تعمل عكس بقية المتدخّلين في الملف على نسج روابط اقتصادية عبر حيازة مشاريع إعادة إعمار مثلاً، وهي تستثمر في ذلك أيضاً التاريخ المشترك مع ليبيا، آخر الولايات الحرّة التي خسرها العثمانيون في المغرب العربي.