عقب لقاء مسائي مع رئيس الجمهورية، أعلن إلياس الفخفاخ، أول من أمس، تركيبة حكومته. لا تختلف التشكيلة الجديدة عن سابقتها من ناحية العدد، وإن شهدت إضافة وزير فقط ليبلغ عدد الوزراء وكتّاب الدولة 32، لكنها عرفت إعادة توزيع لبعض الحقائب. واستفادت حركة «النهضة» من التعديل؛ إذ التزم الفخفاخ ببعض شروطها الدقيقة حول إزاحة أسماء من وزارات بعينها، ومنح قيادات الحركة وزارات أو صلاحيات إضافية. بصفة عامة، يمكن القول إن التشكيلة الجديدة هي نتاج مساومات بين الفخفاخ والأحزاب المقرّبة منه ورئيس الجمهورية الداعم له من جهة، وبين «النهضة» من جهة أخرى. لم يكن الوصول إلى حلّ وسط يسيراً؛ إذ استوجب وساطات وتصعيداً متبادلاً للمواقف كان من الممكن أن يقود البلاد إلى أزمة سياسية تُفاقم الأزمة الاقتصادية وتهدّد النظام القائم على دستور عام 2014.

رفضت «النهضة» التشكيلة الأولية التي تَقدّم بها الفخفاخ بناءً على قراءة مخصوصة للمشهد. أصرّت الحركة، طوال الشهر الأخير، على تشكيل «حكومة وحدة وطنية لا تقصي أحداً»، والمقصود بذلك إشراك حزب «قلب تونس» في المشاورات الحكومية. خلفيات هذا المطلب عديدة، ومن أبرزها الليونة التي أظهرها الحزب تجاه الحركة، على رغم العداء السابق بينهما، إضافة إلى وزنه المهمّ في البرلمان (38 نائباً من 217)، والضروري بالنسبة إليها لضمان أغلبية مريحة داعمة للحكومة. لكن «النهضة» تخشى أيضاً من العزلة. عملياً، تنظر أغلب الأحزاب المشاركة في الحكومة بعين الريبة إلى الحركة، وتعتبر أن حصيلتها في الحكم أضرّت بالبلاد وفاقمت الفساد والمحسوبية، إضافة إلى التلميح إلى تورّطها في اختراق القضاء والأمن. لم ترضَ الحركة أن تشارك في حكومة تكون الغلبة داخلها لهذه الأحزاب.

لم يكن أمام «النهضة» من خيار سوى تحسين شروط التفاوض


رغم ذلك، لم يكن أمام «النهضة» من خيار سوى تحسين شروط التفاوض. رفض إلياس الفخفاخ إشراك «قلب تونس» في الحكومة، وعملت الأحزاب الداعمة للرئيس المكلّف على حشد الرأي العام ضدّ الحركة، فيما أبدى رئيس الجمهورية موقفاً حاسماً من التطورات. إذ استدعى الرئيس قيس سعيّد، قبل أيام، زعيم «النهضة» راشد الغنوشي، وأعلمه بأنه سيتّجه إلى حلّ البرلمان في حال وصول المفاوضات إلى طريق مسدود. ارتكز سعيّد في رأيه على الدستور الذي يخوّله القيام بذلك، مع أنه كان لـ«النهضة» رأي آخر. وفق ما يروّج في دوائر الحركة، كان ثمة أمل في أن يتمّ تأويل الدستور بطريقة مختلفة، تسمح بتكليف شخصية أخرى برئاسة الحكومة. لكن تشبّث «النهضة» بهذا التوجّه كان سيؤدي إلى صراع حول تأويل الدستور، في ظلّ غياب محكمة دستورية، سيعود عليها بالضرر.
بوساطة من «الاتحاد العام التونسي للشغل» و«اتحاد الصناعة والتجارة»، المنظّمتين المهنيّتين الأهم في البلاد، حسّنت «النهضة» من موقعها في الحكومة. خيار المشاركة لم يكن قرار مجلس شورى الحركة، بل مكتبها التنفيذي الذي حصل على تكليف لحسم الأمور، ما يعني أن الغنوشي هو مَن قاد التفاوض. على رغم اعتبار ما حصل انتصاراً للفخفاخ والمقرّبين منه، إلا أن «النهضة» ستكون متحكّمة بمصير الحكومة. حسابياً، ستحظى هذه الأخيرة بثقة البرلمان، لكن بأغلبية هشّة تمثّل «النهضة» (54 نائباً) أكثر من ثلثها، وذلك نتيجة قرار «ائتلاف الكرامة» (19 نائباً) عدم منحها الثقة. يعني ذلك أن مشاريع القوانين، وأيّ تعديل وزاري مستقبلي، ومصير الحكومة نفسه، سيكون كلّه رهينة قرار «النهضة». ستستفيد الحركة أيضاً من عدم تصدّرها المشهد الحكومي، في توجّه تَبنّته منذ عام 2014 يقوم على المشاركة في كلّ الحكومات من دون ترؤّسها، بما يمنحها القدرة على تحميل الجزء الأكبر من مسؤولية الفشل لغيرها.