في مراسلة بعثها إلى الأحزاب المشاركة في المفاوضات، اقترح إلياس الفخفاخ تشكيل حكومة مختلطة تجمع بين وزراء سياسيّين وآخرين تكنوقراط، يتولّون خاصة وزارات العدل والداخلية والخارجية والدفاع. لكن مشاركة وزراء مستقلّين لم تحظَ بموافقة عدد من الأحزاب. أمس، عبّر القيادي في «التيار الديمقراطي»، غازي الشواشي، عن رفض تيّاره هذا التوجه، لافتاً إلى أن «الديمقراطي» عبّر عن رغبته في تولّي حقيبة العدل ضمن حكومة سياسية صرفة، تتولّى فيها الوزارات قياداتٌ حزبية. أما حركة «النهضة» فاعتبرت، وفق تسريبات، أنه يجب الاعتماد على التمثيلية النيابية للأحزاب في توزيع الحقائب، وأن تكون حصّتها بناءً على ذلك 12 وزارة. لكن نقد «النهضة» لرئيس الحكومة المكلف لم يقف عند تلك النقطة التي يمكن أن تُحلّ من خلال التفاوض، بل تجاوزها إلى مسائل أساسية، إذ أجرى رئيس الحركة، راشد الغنوشي، أمس، حواراً مع إذاعة محلية، اعتبر فيه أن الفخفاخ ليس الشخصية الأقدر على ترؤّس الحكومة، مضيفاً أن «النهضة» لم تقترح اسمه على رئيس الجمهورية الذي يخوّله الدستور تكليف من يراه الأقدر في حال فشل الحزب الفائز بالانتخابات التشريعية في تشكيل الحكومة. ورأى الغنوشي أن حكومة الفخفاخ لن تنال ثقة البرلمان في حال عدم إشراك حزب «قلب تونس» فيها، لافتاً إلى أن حركته «ضدّ الإقصاء» ومع توسيع المشاورات، مستشهداً برفضها قبل أعوام سنّ قانون يُقصي وجوه النظام السابق من المشاركة في الانتخابات. ويُعتبر هذا الموقف حلقة أخرى في مسلسل تقلّبات «النهضة» في ظلّ زعامة الغنوشي.
استهلك الفخفاخ نصف المدة المخصّصة لتشكيل الحكومة من دون أن يحقق تقدّماً مهماً


وفي واقع الأمر، بدأت تلك التقلّبات منذ «قانون الإقصاء» الذي ذكره رئيس «النهضة»، والذي هو في الأصل مقترح تَقدّمت به الحركة في «المجلس التأسيسي» وتراجعت عنه في اللحظات الأخيرة. وتواصل مسلسل التقلّب هذا بعد انتخابات عام 2014، والتي استبقها الغنوشي بإعلانه أن حركته وحركة «نداء تونس»، المحسوبة على النظام القديم، تمثلان «خطّين متوازيين لا يلتقيان»، قبل أن يتحالف معها لأعوام. وتجري الآن أحدث تحوّلات «النهضة»؛ إذ قاد الغنوشي قبيل الانتخابات حملة دعاية ضدّ حزب «قلب تونس»، طالب فيها الناخبين بالتصويت لحركته «دفاعاً عن الثورة»، وحتى يتمكّن قيس سعيّد من العمل في تناسق مع البرلمان، وتوعّد بعدم التحالف مع الحزب «الذي ترتبط به شبهات فساد». وتواصل هذا الرفض للحزب الذي يقوده رجل الإعلام، نبيل القروي، بعد الانتخابات، حيث تحدّث الغنوشي عن رغبة «النهضة» في التحالف مع أحزاب «التيار الثوري». اليوم، صار «قلب تونس»، بالنسبة إلى الغنوشي، قوة سياسية مهمة لا يمكن استبعادها. لكن، يرفض طيف واسع من قيادات «النهضة» ذلك التوجّه، وقد استقال اثنان منهم أخيراً بصفة نهائية، فيما جمّد آخرون عضويتهم أو استقالوا من مناصبهم.
من جهته، اعتبر الأمين العام لـ«التيار الديمقراطي»، محمد عبو، أنه لا يمكن إشراك حزب «قلب تونس» في الحكومة، لأنها ستصبح «حكومة تناقضات»، خاصة مع رفض أغلب الأحزاب المشاركة في المفاوضات. وأضاف عبو أن «النهضة» تريد أكبر عدد ممكن من الوزارات «حتى تتحكّم في تسيير الحكومة المقبلة». أما رئيس الحكومة المكلف، فعلى رغم عدم حديثه عن هذه الخلافات مباشرة، إلا أنه صدح بمواقف عَبْر عدد من المقرّبين منه، إذ قال عضو فريق إلياس الفخفاخ، عدنان بن يوسف، أمس، إنه لا تراجع عن خيار عدم إشراك «قلب تونس» في المفاوضات، انطلاقاً من رغبة الشعب التي عبّر عنها في الانتخابات، وبناءً على تجارب حكومية سابقة قامت على تحالفات هشّة. وأضاف أن «البلاد ستدخل في المجهول» في حال لم تتمّ المصادقة على الحكومة. واستهلك الفخفاخ نصف المدة المخصّصة لتشكيل الحكومة (شهر) من دون أن يحقق تقدّماً مهماً، خاصة بعدما رفضت «النهضة» توقيع «وثيقة التعاقد الحكومي» التي اقترحها على الأحزاب. وفي حال فشل الفخفاخ في الالتزام بالآجال، أو عدم حيازة حكومته ثقة الأغلبية في البرلمان (109 أصوات من أصل 217)، ستنطلق إجراءات تنظيم انتخابات تشريعية مبكرة للمرة الأولى منذ سقوط نظام بن علي.