ليس إلياس الفخفاخ (48 عاماً) غريباً عن السياسة التونسية في فترة ما بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي. في الحكومة الديمقراطية الأولى بعد الثورة، والتي تكوّنت من تحالف ثلاثي، شغل الفخفاخ حقيبة وزارة السياحة ثم المالية، بصفته ممثلاً لحزبه «التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات». لكن، لم يمارس الرجل السياسة على نحو معلَن قبل عام 2011، حيث كان يواصل مسيرة ناجحة في القطاع الخاص، خارج البلاد أولاً ثم داخلها، كمدير في عدد من الشركات المهمة. مع انتهاء تجربة «الترويكا» عام 2014، تَضرّر حزب «التكتل» شعبياً؛ إذ لم يغفر له جمهور ناخبيه، هو والحزب العلماني الآخر «المؤتمر من أجل الجمهورية»، التحالف مع الإسلاميين. فشل الحزب في الانتخابات البرلمانية حينها، وتَكرّر الأمر في الانتخابات الأخيرة التي كان فيها الفخفاخ مرشحه للرئاسة (نال أقلّ من 1 بالمئة من الأصوات).

تنقسم الآراء حول إرث الفخفاخ في الدولة. من ناحية، يَعتبر هو وداعموه أن التوازنات المالية ونسبة الدين السيادي في فترته على رأس وزارة المالية كانت أفضل بكثير مما آلت إليه بعد خروجه. لكن، من ناحية ثانية، يُحمّله ناقدوه مسؤولية «توريط» البلاد في قرض من «صندوق النقد الدولي» - رافقته شروط وتدخلات في تحديد سياسات الدولة - على اعتبار أنه هو من تواصل مع الصندوق وبدأ إجراءات التعامل معه. مع هذا، يبدو الفخفاخ في حواراته، أثناء فترة الحملة الدعائية للانتخابات الأخيرة، متشبثاً بخلفيته كاشتراكي ديمقراطي، ويظهر ذلك من خلال حديثه عن الدور الاجتماعي للدولة، وضرورة الإبقاء على مجانية التعليم، والحفاظ على حضور قوي للدولة في قطاعَي الصحة والنقل. لكن، لم يتعمّق الرجل كثيراً في التفاصيل، ويقول ناقدوه إنه مستعدّ لتطبيق شروط «صندوق النقد» حول تغيير صيغة الدعم الذي تُوفره الدولة في المحروقات ومشتقاتها وبعض المواد الغذائية الأساسية، إضافة إلى الاستمرار في غلق أبواب التوظيف في القطاع العام.
على المستوى الشخصي، يحمل الفخفاخ عدداً من المزايا الإيجابية. ومما يُحسب له نقده الذاتي الذي قدّمه بعد خروجه وحزبه من الحكم، حيث لم يتبنَّ نظريات مؤامرة، ولم يتلبّس دور الضحية. الفخفاخ ظلّ ثابتاً أيضا في انتمائه، إذ لم يغادر حزبه بعد الانتكاسات الانتخابية، على رغم أنه كان متاحاً له الانتقال إلى أحد أحزاب السلطة كما فعل كثيرون غيره. ويبدو الرجل أيضاً متشبّعاً بقيم الديمقراطية ومبادئ الثورة، ومقتنعاً بما جاء في الدستور، خاصة مسائل الحكم المحلي والعدل بين مختلف مناطق البلاد (ربما يكون لانحداره من صفاقس، ثاني أكبر مدن البلاد، دور في ذلك، إذ بقيت المدينة على هامش السلطة على رغم كونها مركزاً اقتصادياً لا تضاهيه إلا العاصمة).

التحدّي أمام الفخفاخ الآن هو التعامل مع الأحزاب السياسية، خاصة الممثَّلة في البرلمان بكتل كبيرة


التحدّي أمام الفخفاخ الآن هو التعامل مع الأحزاب السياسية، خاصة الممثَّلة في البرلمان بكتل كبيرة، لأنها ضرورية لمنح حكومته الثقة. اقترح اسمَ الفخفاخ على رئيس الجمهورية حزبان، هما «تحيا تونس» و«التيار الديمقراطي». في المقابل، اقترحت «النهضة» و«قلب تونس» أسماء أخرى، وهنا مربط الفرس. حتى الآن، لم تصدر «النهضة» موقفاً رسمياً من تكليف الفخفاخ، لكن تحدث قياديون داخلها عنه بإيجابية، مع أن أغلب هؤلاء من التيار المعارض لزعيم الحركة، راشد الغنوشي، الذي يشاع أنه عَبّر لقيس سعيّد عن عدم رضاه على اختياره. أما «قلب تونس»، الذي يرأسه رجل الإعلام المثير للجدل نبيل القروي، فقد عبّر في بيان، أول من أمس، عن «عدم ارتياحه للطريقة التي اعتمدها رئيس الجمهورية في اختيار رئيس الحكومة المكلف»، لكنه أضاف أنه لا توجد «احترازات مبدئية أو شخصية من اختيار» الفخفاخ، داعياً هذا الأخير إلى «الانفتاح على كلّ القوى الحية والأحزاب السياسية من دون إقصاء، والتشاور معها في شكل الحكومة، ووضع البرنامج الملائم حتى يضمن الحزام السياسي والبرلماني» الضروري.
موقف الحزبين الغامض، عمداً، يصبّ في اتجاه واحد، وهو التعامل مع الفخفاخ بناءً على مرونته في تلبية طلباتهما. بالنسبة إلى هذين الحزبين، وبناءً على تجارب مسيرَيهما، فإن الأمر الأكثر أهمية لهما هو تشكيلة الحكومة لناحية أسماء الوزراء وولاءاتهم. سيكون الحزبان معنيَّين باقتراح أسماء وزراء تكنوقراطيين في الشكل لكن مقربين منهما، وسيسعى كلّ واحد منهما إلى تحجيم نفوذ الآخر قدر المستطاع داخل الحكومة، على اعتبار أن التعامل بينهما اتخذ سابقاً طابع «الضرب تحت الحزام»، عبر إثارة قضايا في المحاكم بطرق غير معلنة، وتعيين أشخاص موالين على رأس إدارات مهمة وإعفاء آخرين، علاوة على المعارك عبر وسائل الإعلام. وتنبع خشية حزب «قلب تونس»، أيضاً، من حقيقة أن الفخفاخ اقترحه حزب «تحيا تونس» الذي يرأسه خصمه اللدود، رئيس حكومة تصريف الأعمال يوسف الشاهد، الذي يرى القروي أنه مسؤول، رفقة «النهضة»، عن إيقافه في السجن قبيل الانتخابات الرئاسية وشنّ حملة إعلامية ضده.
حتى الآن، يبدو أن الفخفاخ ينوي تشكيل حكومة مصغرة، يجب عليه اختيار تشكيلتها في فترة لا تتجاوز الشهر وعرضها على البرلمان. وسيكون على الرجل تقديم ترضيات إما لـ«النهضة» أو «قلب تونس» أو كليهما لضمان نيل الثقة؛ إذ لا يكفي عدد أصوات «التيار» و«تحيا تونس»، حتى وإن اجتمعت معها أصوات كتل أخرى، للحصول على ثقة 109 من النواب. لكن، في حال نال ثقة البرلمان، سيحظى الفخفاخ في مرحلة أولى بدعم من رئيس الجمهورية، وهذا مهم نظراً إلى شعبية سعيّد وافتقاده هو لرأي عام مساند له.