الجزائر | اكتظّت شوارع العاصمة الجزائرية الرئيسة بمئات الآلاف من المتظاهرين القادمين من مختلف المحافظات، تعبيراً عن رفضهم إجراء الانتخابات الرئاسية. واكتست هذه المسيرات رمزية خاصة لتزامنها مع ذكرى «الفاتح من نوفمبر»، تاريخ اندلاع الثورة الجزائرية ضد المستعمر الفرنسي سنة 1954، ما صنع أجواء حماسية لم يُسبق لها مثيلٌ منذ أشهر في البلاد، إذ أجمع معظم المتابعين على أن الحشود التي تدفقت على العاصمة قد تضاهي في عددها ما شهدته أيام الجمعة الأولى في الحراك الشعبي الذي انطلق في 22 شباط/ فبراير الماضي، الأمر الذي يجعلها بالنسبة إلى البعض بمثابة الولادة الثانية لموجة الاحتجاجات الشعبية الرامية إلى التغيير الجذري للنظام.

وبدأ، منذ مساء الخميس، تدفق الجموع على ساحة البريد المركزي في قلب العاصمة الجزائرية، حيث قضى البعض الليلة كاملة في المكان انتظاراً للتظاهرات، تلبيةً لنداء مجموعة من النشطاء بجعل جمعة «الفاتح من نوفمبر» هي الأكبر على الإطلاق. وحظي القائد الثوري، لخضر بورقعة، بتكريم خاص في تظاهرات أمس، إذ ارتدى الآلاف أقنعة تحمل صورته، احتجاجاً على سجنه المستمر منذ أكثر من شهرين، بسبب إدلائه بتصريحات تناولت قيادة المؤسسة العسكرية. وهاجم المتظاهرون بشدة، في هتافاتهم وشعاراتهم، رموز النظام الحالي الذين يتّهمونهم بالسعي إلى وضع رئيس على مقاسهم خارج الإرادة الشعبية. وقُرئ في إحدى اللافتات المرفوعة أن الشعب لا يرفض الانتخابات من حيث المبدأ، ولكنه يُطالب أولاً برحيل رموز «العصابة» (وصف يُطلَق على رجال الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة)، ثم إطلاق حوار وطني تحت إشراف شخصيات نزيهة.
ويبقى الحراك متمسّكاً بمطالبه الأولى، المتمثلة في رحيل رئيس الدولة عبد القادر بن صالح ووزيره الأول نور الدين بدوي، وفتح المجال لشخصيات نزيهة تقود المرحلة، إلى غاية تنظيم الانتخابات التي ينبغي أن تبتعد الإدارة عنها تماماً، وقبل ذلك، المبادرة بإطلاق سجناء الرأي، وفتح المجال الإعلامي المغلق تماماً إلى حدّ أن القنوات التلفزيونية صارت تمتنع عن تغطية مسيرات الحراك الشعبي. لكن تلك المطالب تبدو بعيدة المنال في الوقت الحالي، بعد «الفيتو» الذي رفعته السلطة في وجه كلّ طلبات التهدئة، واستمرار القضاة المنتفضين هذه الأيام لمطالب مهنية واجتماعية في حبس نشطاء الحراك، بتهم يراها محاموهم سياسية بامتياز، تتعلق بإضعاف معنويات الجيش تارة، وبنشر منشورات تهدّد الوحدة الوطنية أو التحريض على التجمهر وغير ذلك تارة أخرى.

بات النقاش لدى نشطاء الحراك منصبّاً حول استعمال وسائل جديدة لتصعيد الاحتجاجات


غير أن السلطة على الطرف المقابل تبدو غير مكترثة للرفض الشعبي المتزايد للانتخابات. ففي خطابه بمناسبة ذكرى «الفاتح من نوفمبر»، تحدّث بن صالح بنبرة تحدٍّ، مُتوعّداً بالتصدي «لكافة المناورات التي تستهدف المساس بالانتخابات الرئاسية». وقال إن الشعب «مدعوّ لأن يكون على أتمّ الاستعداد للتصدّي لأصحاب النوايا والتصرفات المعادية للوطن». واعتبر بن صالح أنه «لا يحقّ لأيّ كان التذرّع بحرية التعبير والتظاهر لتقويض حق الآخرين في ممارسة حرياتهم والتعبير عن إرادتهم من خلال المشاركة في الاقتراع». ودافع رئيس الدولة عن خيار الانتخابات بالقول إن «أولويات المرحلة تفرض إنجاحها، وعدم ترك أيّ فرصة لِمَن يريدون الالتفاف حول المسعى». ويتحدث رئيس أركان الجيش، الفريق أحمد قايد صالح، بلغة شبيهة في كلّ خطاباته، إذ لا مجال بحسبه لأيّ حلّ خارج الموعد الانتخابي المقرر.
وفي ظلّ هذه القبضة الحديدية بين الحراك والسلطة، تختلف التنبؤات حول مصير الانتخابات الرئاسية. فهناك فريق يرى أن النظام سينصاع في نهاية المطاف للضغوط الشعبية، وسيُلغي مرة أخرى الانتخابات الرئاسية، وهو ما يذهب إليه الباحث هواري عدي، الذي يعتقد باستحالة إجراء الانتخابات في هذه الظروف. في المقابل، يقدّر آخرون أن السلطة في كلّ الأحوال لن تُغامر بإلغاء الانتخابات للمرة الثالثة، لأنها لم تستعدّ لهذا السيناريو، وستفرض الانتخابات في أيّ ظرف، حتى لو قاطعها أغلب الجزائريين، خصوصاً وأن الحدّ الأدنى من الديكور الانتخابي مُتوفر، بوجود مرشحين أودعوا رسمياً ملفاتهم الانتخابية، على عكس المرة السابقة. لكن ما يُخيف في كلّ ذلك، مع الإصرار على تنظيم الانتخابات، هو وصول درجة الاستفزاز للمتظاهرين إلى درجتها القصوى، ما قد يؤدي إلى وقوع أحداث عنف أثناء الحملة الانتخابية أو في يوم التصويت في بعض المناطق.
ويُنتظر أن تظهر القائمة النهائية للمرشحين في غضون الأسبوع المقبل، وهي أسماء تلقى هجوماً لاذعاً في تظاهرات الحراك الشعبي لاتهامها بالانحياز إلى السلطة بدل الشعب. ومن بين أبرز المرشحين للانتخابات، رئيسا الحكومة السابقان، علي بن فليس وعبد المجيد تبون، بالإضافة إلى وزراء سابقين اشتغلوا كلّهم مع الرئيس بوتفليقة. وإلى غاية الإفراج عن أسماء المترشحين، بات النقاش لدى نشطاء الحراك الشعبي منصبّاً حول استعمال وسائل جديدة لتصعيد الاحتجاجات، أبرزها الدعوة إلى إضرابات عامة أو رفع وتيرة التظاهرات، من أجل الضغط أكثر على السلطة وثنيها عن تنظيم الانتخابات.