أصدرت حركة «النهضة» الإسلامية، أمس، بياناً بشأن اجتماع «مجلس الشورى» الخاص بها المنعقد يوم السبت، كما نظّمت ندوة صحافية لشرح نقاطه. ومن أهم النقاط الواردة في البيان، «تحمل الحركة مسؤولية تشكيل الحكومة وترؤسها»، ويكون ذلك عبر السعي إلى «تعميق الحوار مع مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، على قاعدة برنامج يضمن لها حزاماً سياسياً واسعاً»، مع الأخذ في الاعتبار «التزام الحركة بوعودها الانتخابية».

تشير الجملة الأخيرة إلى مجموع الوعود التي قدمتها «النهضة» خلال حملتها، ومن ضمنها حزمة مشاريع من بينها تنظيم جمع وتوزيع الزكاة، لكنها تشير أيضاً إلى تعهّدها بعدم التحالف مع حزبَي «قلب تونس» و«الحزب الدستوري الحر»، وفق ما شرح أمس رئيس مجلس شورى الحركة، عبد الكريم الهاروني، في ندوة صحافية. الهاروني برّر عدم الرغبة في التحالف مع هذين الحزبين بشبهات الفساد التي تلاحق الأول، وخصوصاً زعيمه نبيل القروي، والارتباط بنظام زين بن علي وبرامجه في ما يخص الثاني، مع الإشارة إلى أن كليهما رفضا مبكراً التواصل مع «النهضة»، وأعلنا أنهما سيكونان في المعارضة.
وتتجه الحركة، وفق الهاروني، إلى تشكيل «لجنة تفاوض» يرأسها راشد الغنوشي، تتولى الحديث مع الأطراف السياسية التي تريد أن «تُساند الثورة وتكافح الفساد وتحمي المسار الديموقراطي». أما عن الشخصية المرشحة لقيادة الحكومة، فيقول الهاروني إن قانون الحركة يعطي الأولوية لتعيين رئيسها، أي الغنوشي، من ناحية المبدأ، لكن المؤسسات هي التي ستختار المرشح، رافضاً الحديث عن أي اسم محدّد.
وتستوجب المصادقة على الحكومة في البرلمان تحصيل أغلبية 109 أصوات من بين 217 صوتاً في المجلس النيابي، لا تملك «النهضة» منها سوى 52 صوتاً بناءً على عدد نوابها، يضاف إليها 21 صوتاً من «ائتلاف الكرامة» الذي رحّب بالتحالف معها. ترتبط المعضلة إذاً بتحصيل بقية الأصوات اللازمة للحصول على الأغلبية، خصوصاً وأن الأحزاب التي تعوّل «النهضة» على التحالف معها تضع شروطاً مشدّدة، أو تفضّل التموضع في المعارضة.
مبكراً، أعلن حزب «التيار الديموقراطي»، الحاصل على 22 مقعداً في البرلمان، أنه في صف المعارضة مبدئياً، لكنه لم يستبعد المشاركة في الحكومة بشرط الحصول على وزارات العدل والداخلية والإصلاح الإداري، مع تفضيل اختيار رئيس حكومة مستقل ووجود برنامج واضح للحُكم. ويبرّر «التيار» هذه الشروط بانعدام ثقته بـ«النهضة» التي يتهمها بالعمل على تكوين جماعات تابعة لها داخل مؤسسات الدولة الحسّاسة. مع ذلك، تطوّر الموقف أخيراً، إذ أعلن الحزب أنه مستعد للتصويت لصالح الحكومة من دون المشاركة فيها، فقط من أجل عدم تعطيل البلاد، مع الالتزام بالمعارضة.

تتجه الحركة إلى تشكيل «لجنة تفاوض» مع الأطراف السياسية يرأسها الغنوشي


من ناحيتها، لا ترى «حركة الشعب»، الحاصلة على 16 مقعداً، مانعاً من التموضع داخل صفوف المعارضة، كما تضع شروطاً للانخراط في الحكم. وهي تقترح تشكيل حكومة تكنوقراط مصغّرة تلتزم ببرنامج يضعه داعموها السياسيون. وبموازاة ذلك، تقترح أيضاً تشكيل ما سمّته «حكومة الرئيس»، أي أن يتولى رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، تعيين شخصية مستقلة يثق بها على رأس الحكومة وتدعمها الأحزاب في البرلمان. مع ذلك، تبدو الحركة منقسمة، ويُنتظر أن يصدر عنها موقف نهائي موحّد.
أما حركة «تحيا تونس» (14 مقعداً)، التي يتزعّمها رئيس الحكومة الحالي، يوسف الشاهد، فيبدو موقفها ضبابياً، وإن كان أقرب إلى الالتزام بالمعارضة. لم يتحدث الشاهد نفسه عن موقفه من المشاركة في الحكم، لكن تحدث قياديون آخرون في الحركة عن ذلك. وفي تصريحات إعلامية، رأى القيادي مهدي بن غربية أنه يجب على الحركة «الابتعاد عن الحكم وتقييم تجربتها وتجربة رئيسها». أما الأمين العام للحركة، سليم العزابي، فقال، أول من أمس، على صفحته على موقع «فايسبوك»، إن «تحيا تونس ورئيسها غير معنيين بتشكيل الحكومة»، لكنه تمنى أن «ترى الحكومة الجديدة النور في أقرب وقت حتى تمسك بزمام الأمور وتضطلع بمسؤوليتها كاملة».
في مقابل هذه الضبابية والاشتراطات، ترى «النهضة» أن بإمكانها الوصول إلى تفاهم يضمن تحصيل أغلبية داخل البرلمان. وفي ندوته الصحافية أمس، لم يستبعد الهاروني أن تكون تصريحات تلك الأحزاب مناورة لـ«التأثير على التفاوض»، معرباً عن «تفهّمه» لها. ولم يضع الهاروني خطوطاً حمراء كثيرة في ما يتعلق بتشكيل الحكومة، إذ اعتبر أن المسألة الوحيدة «غير الخاضعة للتفاوض» هي وجود شخصية «نهضوية» على رأس الحكومة. ورأى أن «من حق الحركة التي فازت بالانتخابات التشريعية أن تقود الحكومة وأن تشكلها على أساس برنامج يضبطه الشركاء».