احتضنت مصر، منتصف شهر تموز/ يوليو الماضي، جولة محادثات بين أعضاء البرلمان الليبي. آنذاك، تناولت الجلسات، التي امتدّت على مدار ثلاثة أيام وجمعت حوالي 70 نائباً، دور البرلمان في الخروج من الأزمة الحالية، خاصة وأنه المؤسسة الوحيدة المنتخبة منذ عام 2014. وانتهت اللقاءات بإصدار بيان من خمس نقاط: الحفاظ على وحدة ليبيا، التأكيد على مركزية البرلمان في البحث عن حلّ، الالتزام بمدنية الدولة والإعلان الدستوري، العمل على جمع النواب كافة (188 نائباً)، والعمل على عقد جلسة في أيّ مدينة ليبية لمناقشة تشكيل حكومة وحدة وطنية ووضع خريطة طريق للحلّ تشمل جدولاً زمنياً وآليات تنفيذ. حضر ذلك الاجتماع أقلّ من نصف أعضاء البرلمان. وعلى رغم أن من بينهم أعضاء من التكتل النيابي (حوالي 50 نائباً) الذي اختار عقد جلساته في العاصمة بعد إطلاق خليفة حفتر هجومه للسيطرة عليها، لم تحصل تطورات كثيرة. استمر انقسام المجلس بين شرق البلاد وغربها، ولم تنعقد جلسة موحّدة لهما.

اليوم، تحاول مصر جمع أكبر عدد ممكن من النواب مرة أخرى، وتختلف القراءات لنوايا القاهرة من هذه المبادرة. الناطق باسم البرلمان المنعقد في طبرق شرق البلاد، عبدالله بليحق، يقول إن الاجتماع الذي يُتوقع أن يضمّ أكثر من 90 نائباً يهدف إلى «توحيد جهود مجلس النواب... وتقريب وجهات النظر بين أعضائه»، حتى «يمرّ الحلّ في المستقبل عبره»، فيما يوضح النائب صالح فحيمة أن النقاش سيتركز حول نقطة عقد جلسة موحّدة داخل ليبيا، خاصة وأن هذه النقطة نالت رضا عدد من النواب المجتمعين في طرابلس.

لا يُبدي البرلمان المنعقد في طرابلس استعداداً للمشاركة في المحادثات


في المقابل، لا يُبدي البرلمان المنعقد في طرابلس استعداداً للمشاركة في المحادثات. إذ شدد، في بيان له أول من أمس، على أن مصر «لم تكن طرفاً محايداً في الحرب... ما يفقدها الأهلية لتبني أيّ مبادرة لحلّ الأزمة الليبية». وربط الموافقة على لعب القاهرة دوراً في الوساطة بأن «تتراجع عن مواقفها السابقة، وتدين هذه الاعتداءات صراحة... وتتوقف عن دعم الحرب على العاصمة». ورحّب نواب طرابلس، بدورهم، «بأي مبادرة سياسية من شأنها أن تجمع الفرقاء»، بشرط أن تكون «تحت رعاية ليبية أو (يتمّ) تبنيها من قِبَل طرف نزيه ومحايد». وعبّر بعض النواب المجتمعين في طرابلس عن رأيهم في المبادرة المصرية بعبارات أكثر شدّة مما نشر في البيان الجماعي. ومن بين هؤلاء النائب سليمان الفقيه، الذي اعتبر في تصريحات إعلامية أن الاجتماع «محاولة من مصر ومخابراتها لإجهاض الدولة المدنية في ليبيا»، و«توجيه رسالة إلى المجتمع الدولي بأن مصر تمتلك الأوراق الليبية»، خاصة في سياق التحضير لندوة برلين. أما النائب علي بوزعكوك فرأى أن مصر تحاول «استعادة هيمنتها على البرلمان»، وذلك بعد توجّه عشرات النواب للاجتماع في طرابلس، مشيراً إلى أن مصر لا يمكن لها أن تكون جزءاً من الحلّ «لأنها جزء من المشكلة». وذكّر نواب طرابلس، سواءً في بيانهم الجماعي أم في تصريحاتهم الفردية، باختطاف النائبة سهام سرقيوة، واعتبروه إحدى نتائج محادثات القاهرة السابقة. واختُطفت سرقيوة من منزلها في بنغازي بعد أيام قليلة من عودتها من اجتماع القاهرة وإبدائها مواقف ناقدة لحفتر، حيث اقتحمت مجموعة مسلحة بيتها وعنّفت زوجها واقتادتها إلى مكان مجهول.
وبمناسبة مرور ثلاثة أشهر على اختطاف سرقيوة، نشرت البعثة الأممية، أمس، بياناً جدّدت فيه تأكيدها أن «السلطات المختصة في شرق ليبيا تتحمّل المسؤولية القانونية في تحديد مصير السيدة سرقيوة ومكان وجودها». وأضافت البعثة أنها تعتبر اختطاف سرقيوة «رسالة ترهيب إلى المسؤولين المنتخبين للحدّ من حقهم في التعبير عن آرائهم بحرية»، معبّرة عن استهجانها من «الرسائل التي تُرجى من وراء هذا الفعل»، مؤكدة استمرارها في «المطالبة بالإفراج عنها وأن تتم محاسبة المسؤولين عن اختطافها».