بعد نحو عام على تراجع نشاط «القيادة العسكريّة الأميركيّة في أفريقيا» (أفريكوم)، منذ آب/أغسطس من العام الماضي، عادت «أفريكوم» إلى تنفيذ عمليات في ليبيا بالتنسيق مع حكومة «الوفاق الوطنيّ». بدأت غارات القوّة الجوية الأميركيّة الخميس الماضي، عندما استهدفت موقعاً قرب مدينة مرزق، قائلة في بيان رسميّ: إنّها تقدّر أنّ عدد القتلى من تنظيم «داعش» بلغ ثمانية، وتلت ذلك عمليّة جويّة ثانية الثلاثاء قرب مرزق أيضاً، وأدت حسب التقديرات إلى مقتل 11. أما الغارة الأخيرة، فشُنّت مساء أول من أمس قرب سبها (أكبر مدن الجنوب الغربي)، فيما تقول التقديرات: إنّها أدت إلى مقتل 17 عنصراً.

هذه العمليات جميعها جرت جنوب غربي البلاد (إقليم فزان) الذي سيطرت عليه قوات المشير خليفة حفتر بداية هذا العام. ليس ذلك من فراغ، ففي حين تعلن «الوفاق الوطني»، المسيطرة على طرابلس وغالبية شمال غربي البلاد، تفكيك خلايا نائمة لـ«داعش» بصفة دوريّة، كانت مناطق سيطرة حفتر ضحية لثلاثة هجومات للتنظيم أخيراً أحدها في سبها. يعني ذلك أنّ جنوب غربي ليبيا صار ساحة تحرّك لـ«داعش» وبقيّة التنظيمات الإرهابيّة، وهو أمر مرتبط على نحو وثيق بمجريات سيطرة حفتر على المنطقة. إذ تمدّدت قوات الأخير في فزان بداية الصيف باستخدام خليط من المعارك العسكريّة والمفاوضات مع القبائل، ما أدى في نهاية المطاف إلى تقوية شوكة قبائل على أخرى، ومن ثمّ تغذية الصراعات القائمة بينها منذ سقوط نظام معمر القذافي.

تسبّبت معارك العاصمة في فراغات أمنية استغلها التنظيم للتوسع


أبرز الصراعات القبليّة التي خلّفها حضور قوات حفتر في المنطقة شهدتها مرزق، حيث نشب النزاع في المدينة بين التبو الذين رفضوا سيطرته، ومجموعة تُعرف باسم «الأهالي» تحالفت معه. والتبو مجموعة لها لغة خاصة ويمتد حضورها بين ليبيا والتشاد والنيجر، أما «الأهالي»، فهم مجموعة تتحدث العربيّة، لكنّهم أي «الأهالي» لا ينتمون إلى القبائل التقليديّة في المنطقة، إذ ينحدر أسلافهم من بلدان مختلفة في أفريقيا السوداء. وأدى هذا الصراع إلى حرق عشرات المنازل وقتل أكثر من مئة شخص ونزوح المئات. خفت النزاع قليلاً، لكنّه تكرّر مع شنّ طائرات مسيّرة إماراتيّة تعمل لمصلحة حفتر سلسلة غارات على المدينة بداية الشهر الماضي، أدت إلى مقتل أكثر من 46 شخصاً وجرح عشرات آخرين من التبو. سادت الفوضى مرزق، ولا يزال الصراع محتدماً داخلها، وقد حاولت أبو ظبي لفلفة المسألة لكنّها أخفقت (راجع العدد 3858).
ترتبط أيضاً انتعاشة «داعش» بالحرب الدائرة حاليّاً في طرابلس. فبعد سيطرتها على الجنوب، وإشعالها حرباً أهليّة في مرزق ومدن أخرى، قرّرت قوات حفتر مدّ سيطرتها نحو طرابلس. ترتّب على ذلك حشد أكبر قدر ممكن من الإمكانات العسكريّة حول العاصمة، ما أدى إلى سحب أغلب المجموعات من جنوب غربي البلاد إلى جبهات طرابلس. وتولّد عن ذلك مزيج من الفراغ الأمنيّ والصراعات الاجتماعيّة ما وفّر مساحات استغلتها جماعة «داعش». والآن، يبدو النشاط الإرهابيّ في الجنوب متعاظماً، وهو ما تكشفه أعداد قتلى غارات «أفريكوم». وفي حال امتدت حالة الفراغ الأمنيّ والصراعات الأهليّة المنفلتة، ستتعزّز قدرة التنظيمات على حشد الموارد الماديّة، خاصة بالاشتغال في التهريب وفرض الإتاوات، وكذلك القدرات البشريّة والعسكريّة والتحرك بين ليبيا ودول الساحل الصحراويّ.