في تجربة لم تشهدها تونس من قبل، شارك أغلب الإذاعات والتلفزيونات التونسية، الخاصة والمملوكة للدولة، في تنظيم ثلاث مناظرات بين 24 مترشحاً لرئاسة الجمهورية. امتدّ الحدث على ثلاثة أيام هي السبت والأحد والإثنين، وبُثّ في وقت الذروة انطلاقاً من التاسعة ليلاً. ضَمِن كلّ ذلك نسب تلقّ عالية لدى الجمهور، وصلت في يومها الأول إلى حدود ثلاثة ملايين مشاهد، عدا المستمعين عبر الإذاعات، وفق نتائج نشرتها شركة «سيغما كونساي» المختصة في استطلاعات الرأي.

خلقت المناظرات حركة نقاش واسعة داخل البلاد، وجذبت اهتمام جزء كبير من الجمهور غير المهتم بالسياسة عادة، ما جعل بعض المراقبين يتناولونها بنوع من المدح المبالَغ فيه للتجربة الديمقراطية التونسية. خارجياً، تراوحت ردود الفعل بين الإعجاب والاستهجان، كلّ بحسب خلفيته وأجندته، لكن المثير للسخرية هو شنّ وسائل إعلام إماراتية وسعودية حملة منظمة لـ«الدفاع» عن الشعب التونسي الذي يعاني مشاكل مادية في وجه «ترف» النخب السياسية واهتمامها بالبهرجة الديمقراطية.
ربما يعكس هذا «الدفاع» عن الشعب جزعاً لدى وسائل الإعلام تلك ومن يصوغ خطّ تحريرها، لا فقط من وجود ديمقراطية ناشئة في تونس، بل من حقيقة بسيطة جلّتها تجربة المناظرات الرئاسية، وهي أن البلاد بدأت تتجاوز التوتر العميق الذي ساد السنوات الأولى الموالية لسقوط نظام زين العابدين بن علي. اليوم، صار جميع المترشحين يقبلون النقاش بعضهم مع بعض وجهاً لوجه، في حين كان الأمر صعب الحدوث خلال انتخابات عام 2014، عندما رفض الرئيس الراحل، الباجي قائد السبسي، مناظرة خصمه منصف المرزوقي. لا يعني ذلك طبعاً عدم وجود اختلافات مهمة بين المترشحين، بل يعني فقط أنهم متفقون على الخطوط العامة لإدارة الشأن السياسي، حيث لم يعد الصراع الهوياتي بين العلمانيين والإسلاميين المحور الأهم الذي تنقسم حوله الساحة السياسية، بل بدأ الاقتصاد يحتلّ فيه مكانته تدريجياً.

المناظرات حقّقت فوائد لناحية اختبار القدرات التواصلية للمترشحين


مع ذلك، يجب عدم رسم صورة وردية عن التجربة التونسية بشكل عام، ولا عن المناظرات التي احتوت مشاكل في الشكل والمضمون. انقسمت الأسئلة المُوجَّهة للمترشحين، والموزّعة بينهم وفق قرعة، إلى ثلاثة محاور: الدفاع والأمن القومي، السياسة الخارجية، ومسائل عامة، فيما أُعطيت دقيقة ونصف دقيقة للإجابة عن كلّ سؤال، مع الإشارة إلى أن كلّ حصة مناظرة شملت 8 مترشحين (لم يشارك فيها كلّ من نبيل القروي بسبب إيقافه في السجن في قضايا تبييض أموال وتهرب ضريبي، وسليم الرياحي الموجود خارج تونس بسبب مسائل قضائية أيضاً).
هذا المنهج في تنظيم المناظرة جعل المترشحين في جزر مفصولة، كلّ منهم يجيب عن سؤال مختلف، من دون القدرة على التفاعل في ما بينهم إلّا في نطاق ضيق، وهو ما حرم المشاهدين/ الناخبين أيضاً مقارنة الإجابات. المشكلة الثانية هي ضيق وقت الإجابة، إذ كيف يمكن لدقيقة ونصف دقيقة أن تكفي للإجابة مثلاً عن سؤال يتعلّق برؤية المترشح لدور الجيش وأفق تطويره؟ وكثيراً ما انتهى الوقت من دون تقديم إجابات واضحة. ذلك من دون الحديث طبعاً عن محتوى الإجابات التي كان كثير منها ضحلاً أو خارجاً عن الموضوع (لسوء فهم أو قلّة دراية). أما المشكلة الأكبر، فتتعلق بتصوّر المترشحين أنفسهم لدور رئيس الجمهورية، الذي لا يعطيه الدستور صلاحيات واسعة، ويقوم وجوده أساساً على حفظ بعض التوازن مع رئيس الحكومة. لكن ما تراكم عبر عقود من الزمن، إضافة إلى كون الرئاسة الفرع الوحيد من السلطة التنفيذية المنتخَب مباشرة من الشعب، يضفي على المنصب أهمية رمزية.
أغلب المترشحين توسعوا في بسط نظرتهم أبعد ممّا تسمح به صلاحيات المنصب، وقد يكون ذلك سليماً ربما في حالة المدعومين منهم من أحزاب قوية، وهم قلّة، لكنه خطأ جسيم بالنسبة إلى أغلبهم. التوسع في الوعود تمّ بحجة أن مسائل مثل الصحة أو الاقتصاد تقع ضمن الأمن القومي، وقد يكون هذا صائباً من الناحية النظرية، لكن الدستور يحصر مفهوم «الأمن القومي» في قضايا الدفاع، والأمن الداخلي بدرجة أقل. كما أنه لا يعطي رئيس الجمهورية أيّ أدوات فعلية للتصرف أبعد من ذلك.
كتجربة أولى، يمكن القول إن المناظرات حققت فوائد لناحية اختبار القدرات التواصلية للمترشحين. ومع أن الأثر الفعلي لها على نوايا التصويت يبدو غير واضح حتى الآن، إلا أنها يمكنها أن تُسجّل تطوراً مع الوقت. حتى الآن، تشير جميع المعطيات إلى وجود جولة ثانية للانتخابات الرئاسية، نظراً إلى عدم وجود مترشح قادر على الحصول على أكثر من نصف أصوات الناخبين في الجولة الأولى، ما يعني، نظرياً، وجود مناظرة أخرى بين المترشّحَين النهائيَّين. وفي حال تمّ تنظيم هذه المناظرة، فستكون أكثر إثارة للاهتمام، إذ إنها ستوفر مساحة أكبر للتعبير والمقارنة لوجود مترشّحَين فقط فيها، كما أنها قد تأتي في ظلّ رهانات وتحالفات مفقودة الآن، وخاصة أن الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية ستكون بعد حسم نتائج الانتخابات التشريعية.