الجزائر | فاجأ قائد الجيش الجزائري كل المتابعين، باقتراحه في خطاب له من ولاية ورقلة في جنوب البلاد استدعاء الهيئة الناخبة في 15 أيلول/ سبتمبر المقبل. ويعني ذلك وفق قانون الانتخابات الجزائري تنظيم الرئاسيات بعد 3 أشهر من هذا التاريخ، أي قبل نهاية السنة الجارية. وأوضح قايد صالح في خطابه أن دعوته هذه تأتي «انطلاقاً من مهماته وصلاحياته واحترامه للدستور وقوانين الجمهورية»، مشيراً إلى أن «الآجال التي طرحها معقولة ومقبولة وتعكس مطلباً شعبياً مُلحّاً»، على حدّ تعبيره. ولم يتوقف قايد صالح عند ذلك، بل وضع حتى الخطوط الحمراء للإطار القانوني الذي ستُنظّم فيه الانتخابات الرئاسية، مشدداً على ضرورة التنصيب العاجل للهيئة الوطنية المستقلة لتحضير الانتخابات وتنظيمها ومراقبتها، وهو ما يستدعي، بحسبه، «تعديل بعض مواد قانون الانتخابات، لا أن يكون جذرياً ومعمَّقاً ويمسّ جميع المواد، ما يستلزم وقتاً أطول».

واستُقبل هذا الخطاب بترحيب كبير من الحزبين المسيطرين على البرلمان، «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، اللذين أصدرا بيانين يؤكدان فيهما استعدادهما للدخول في الانتخابات واعتبارها الوسيلة الوحيدة للخروج من الأزمة، فيما اعتبر رئيس المجلس الشعبي الوطني (البرلمان)، سليمان شنين، أنه «لم تبقَ أيّ حجة للمتقولين بعد فصل المؤسسة العسكرية وترجيحها لانتخابات رئاسية قبل نهاية السنة»، مضيفاً أن «الوقت يفرض التوجه إلى الشرعية الشعبية من خلال انتخابات رئاسية قبل نهاية السنة الحالية»، وهو عين ما ذهب إليه صالح قوجيل، رئيس مجلس الأمة بالنيابة (مجلس الشيوخ).
على الطرف الآخر، قوبل هذا الخطاب باستهجان لدى جزء من المعارضة، التي رأت أن قايد صالح ليس من صلاحياته إطلاقاً التدخل في تحديد موعد الانتخابات، ولا في كيفية تعديل قوانين الانتخابات التي هي من صلاحيات السياسيين والقانونيين. وثمة من اعتبر أن هذا الخطاب يكرّس بالدليل القاطع هيمنة المؤسسة العسكرية على مفاصل القرار في البلاد، ولا يعترف تماماً بوجود رئيس للدولة، يُعدّ إعلان توقيت الانتخابات من صميم صلاحياته القانونية والدستورية.

تُقابل دعوة قايد صالح إلى إجراء الانتخابات قبل نهاية السنة العديد من العوائق


واللافت أن خطاب قائد الجيش كان معاكساً تماماً للطرح الذي أعلنه رئيس الدولة المؤقت، عبد القادر بن صالح، الذي سبق له، عندما أطلق مبادرة الحوار الوطني، أن ترك تحديد «الروزنامة الانتخابية» لمخرجات الحوار بعد التشاور مع كل الفاعلين السياسيين. ويعدّ هذا الموقف من قايد صالح، الثاني من نوعه الذي يُعارض فيه بنحو غير مباشر رئيس الدولة، إذ سبق له الاعتراض أيضاً على مسألة إطلاق ما يُعرف بسجناء الرأي ورفع التضييق على العاصمة في أيام التظاهر، وهي تعهدات أعطاها رئيس الدولة لـ«هيئة الحوار الوطني» قبل بداية عملها، استجابةً لشروط التهدئة التي طلبتها. ويُهيمن على المشهد حالياً رئيس أركان الجيش بظهوره المتتالي، فيما يبدو بن صالح أقرب للتواري، حيث لم يصدر عنه خطاب منذ نحو شهرين.
وتُقابل دعوة قايد صالح إلى إجراء الانتخابات قبل نهاية السنة العديد من العوائق التي قد تحول دون تنظيمها، وفي مقدمتها الرفض الشعبي المُعبّر عنه كل يوم جمعة، إذ يصرّ المتظاهرون على رفض إجراء الانتخابات في ظلّ وجود عبد القادر بن صالح في الرئاسة ونور الدين بدوي على رأس الحكومة، وهما وجهان محسوبان على نظام الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة. ويرفض المتظاهرون، بحسب الشعارات التي يرفعونها، تنظيم انتخابات بتعديلات شكلية في القوانين الحالية، ويعتبرون ذلك مُحاولة من النظام الحالي لإعادة إنتاج نفسه عبر تغيير في الواجهة المدنية فقط للحكم.
وبات يُخشى، في حال مضيّ السلطة في تنظيم الانتخابات في التوقيت الذي أعلنه رئيس أركان الجيش، حدوث مواجهة بينها وبين المتظاهرين الذين لا يزالون إلى اليوم يتمسكون بسلمية مطالبهم. وتُراهن السلطة في المقابل على عدد من الشخصيات التي أبدت استعدادها للمشاركة في الانتخابات من أجل تفادي إلغائها، مثلما حدث مع الانتخابات التي كانت مقررة في 4 تموز/ يوليو. وتوجد الكثير من الشخصيات التي تُنتظر مشاركتها، مثل بلعيد عبد العزيز، رئيس «جبهة المستقبل»، وعبد القادر بن قرينة، رئيس «حركة البناء»، فيما تبقى الأنظار مشدودة نحو علي بن فليس، أحد أبرز منافسي الرئيس السابق، الذي يحتفظ بموقف وسطي إزاء المؤسسة العسكرية، وسبق له التصريح بأنه لن يشارك في الانتخابات ما لم تتوافر فيها كامل شروط النزاهة.
من جانب آخر، ينتظر أن يشهد حزب «جبهة التحرير الوطني» المسيطر على البرلمان تطورات كبيرة في الساعات القادمة، بعدما طلبت وزارة العدل رسمياً رفع الحصانة البرلمانية عن أمينه العام، محمد جميعي، وفق ما نشرت وسائل إعلام محلية، تمهيداً لمُحاكمته. ويُعتبر جميعي من السياسيين الأكثر إثارة للجدل، فهو ينتمي إلى فئة رجال الأعمال في الحزب، وتحوم حوله شبهات فساد كثيرة، وهو ما جعل الكثيرين يستغربون وصوله إلى منصب الأمين العام لهذا الحزب، خصوصاً أنه كان من أكثر المتزلّفين للرئيس السابق، ومن دعاة ترشيحه لولاية رئاسية خامسة. وظهرت سريعاً قراءات لهذا الخبر، مفادها أن السلطة تريد إعادة ترميم حزبها المفضل بواجهة مقبولة، من أجل تحضيره الجيد للانتخابات الرئاسية.