قيادة الجيش ترفض الاعتراف بمطالب الحراك لكنها ستضطر لقبولها


يرى عالم الاجتماع الجزائري والأستاذ في معهد العلوم السياسية، الهواري عدي، أن رفض قيادة الجيش الاعتراف بمشروعية مطالب الحركة الشعبية هو الذي يؤدي إلى تعقيد الأزمة السياسية في هذا البلد. وإذ يلفت، في مقابلة مع «الأخبار»، إلى أن المشكلة تكمن في غياب ثقة الناس بقيادة المؤسسة العسكرية التي سبق أن رعت تزوير الانتخابات، فهو يشدد على أن ما يطمح إليه الحراك ليس مستحيلاً ولا تعجيزياً؛ إذ يتلخص في دولة القانون والتداول على السلطة عبر الانتخابات وحرية التعبير.

ما هي قراءتكم للمواجهة الدائرة بين الحراك والجيش؟ وما هي مآلاتها المحتملة؟
المواجهة بين هيئة أركان الجيش والحراك مستمرة، لأن الأولى تحاول معرفة مدى استعداد الجزائريين للاستمرار في الاحتجاجات الشعبية. هي راهنت على إنهاك الحراك خلال شهر رمضان، وأملت بعد ذلك أن شهر الصيف والعطلة الجامعية قد يفضيان إلى تراجع تصميم المتظاهرين. علينا ترقب قرارات مهمة بعد شهر أو شهرين، لأن وضع قيادة الجيش صعب جداً. لقد باتت عقبةً تحول دون التأسيس لشرعية جديدة بعد استقالة بوتفليقة. لم يعد للنظام قاعدة اجتماعية، وخيار القمع لا يلاقي إجماعاً بين الجنرالات. سيعرضون في نهاية المطاف تسوية على المتظاهرين العازمين على فرض تغيير النظام. المواجهة ستتوقف عندما تعترف قيادة الجيش بمشروعية مطالب الحركة الشعبية. البلاد تشهد ثورة، ولا أستطيع تصور كيفية تمكن هيئة الأركان من إعادة الاعتبار لنظام فاسد كانت أحد أركانه المركزيين.

ما هو المطلب الرئيس للحراك الشعبي؟
لا يريد الجزائريون أن يختار الجنرالات الرئيس والنواب عبر تزوير الانتخابات التشريعية، مما يمنح الأغلبية البرلمانية لأحزاب ليس لديها أي صفة تمثيلية حقيقية لقطاعات المجتمع المختلفة.

ألا يهدّد رفض الحراك الانتخابات الرئاسية التي يريدها الجيش فرص الانتقال السلمي؟
هناك خياران على طاولة المفاوضات. هيئة الأركان تتمنى انتخابات رئاسية لتغيير الأشخاص مع الحفاظ على النظام نفسه. الحركة الشعبية تريد عملية انتقالية بإشراف شخصيات جديدة ذات صدقية تتلخص مهمتها في تنظيم انتخابات نزيهة. الجنرالات يوافقون في خطابهم المعلن على العملية الانتقالية، لكنهم يرون أن الرئيس المنتخب ينبغي أن يقودها. لكن المشكلة هي أن الناس لا ثقة لها بقيادة الجيش التي سبق أن رعت تزوير الانتخابات.

الشعبوية فعالة فقط في مواجهة الاحتلال، لكنها بعد رحيله تصبح مزايدة جوفاء


اعتبرتم في كتابكم «الجزائر والديمقراطية» أن المسار الانتخابي هو نتاج لحرية التعبير الناجمة بدورها عن تطور الفردنة وتحديث المجال السياسي. إذا كان الحراك قد عكس إلى درجة معينة تطلّعاً إلى الاختيار الحر لمرشحين «من خارج النظام»، فلا يمكن رغماً عن ذلك إنكار وجود تيار واسع بين الجزائريين لا يزال متمسكاً بمنظومة أيديولوجية - قيمية قومية ترى في الجيش تجسيداً للأمة وللسيادة، وتمنحه مشروعية سياسية على هذا الأساس. هل من الممكن الشروع في عملية تغيير للنظام من دون أخذ هذا المعطى المهم بعين الاعتبار؟
الجماهير التي تتظاهر في الجزائر تتهم الجنرالات والنظام بإضعاف الأمة بسبب الفساد. ليس جميع الجنرالات فاسدين، ولكن، في لغة الشارع الجزائري، كلمة جنرال باتت مرادفة للفساد. لماذا؟ لأن الجنرالات الذين يعينون الرئيس والنواب يضعون أنفسهم فوق القانون. لا يتجرّأ أي قاضٍ على ملاحقة جنرال فاسد أو متهم بالقيام بأنشطة غير مشروعة. في مثل هذه الظروف، لم يعد لوطنية الجنرالات من صدقية. الحراك الشعبي يمثل انبعاثاً للوطنية عبّر عنه مئات آلاف المتظاهرين الذين حملوا العلم الوطني باعتزاز. لقد أهان النظام رموز الأمة، وخان ذكرى الشهداء عندما ذهب بوتفليقة للعلاج في مستشفى للجيش الفرنسي الذي قصف بالنابالم القرى الجزائرية خلال حرب التحرير. أما بالنسبة إلى الجيش، فإن المتظاهرين، الذين لم يتوقفوا عن ترداد شعار «الجيش والشعب إخوة»، يميزون بين قيادته، التي تحولت منذ زمن بعيد إلى لاعب سياسي لا دستوري، وبين القسم الأعظم منه الذي يشكل مؤسسة من مؤسسات الدولة. هناك اعتراض على الدور السياسي لقيادة الجيش، من دون عداء للجيش كمؤسسة.

إذا كانت طبيعة النظام تمنع تحوله إلى جمهورية مدنية ومجتمع ديمقراطي، ما يحدو بالحراك إلى تبني لاعبين من «المجتمع المدني» يتمتعون وحدهم بالمشروعية في نظره لتأمين الانتقال نحو الديمقراطية، ألا يعني هذا الأمر فرض منظومة أيديولوجية أحادية لا تحظى بدعم كتل اجتماعية وازنة؟
المجتمع الجزائري، كما جميع المجتمعات الأخرى، منقسم أيديولوجياً وسياسياً. لا وجود لمجتمع يسوده الانسجام الكامل على المستوى السياسي. هذا حلم التيار الشعبوي الذي فشل في العالم العربي. ما تطمح إليه الحركة الشعبية، كما يظهر ذلك في شعاراتها الرئيسة، هو دولة القانون والتداول على السلطة عبر الانتخابات وحرية التعبير. انتصار التيار العلماني أو الإسلامي في الانتخابات لا أهمية له. المهم أن يكونوا مستعدين لمغادرة السلطة إن خسروا الانتخابات. هذا ما يريده الجزائريون. يريدون أيضاً أن تكون لهم القدرة على محاسبة الحاكمين انتخابياً، ومعاقبتهم إن لم يفوا بوعودهم، وأن يقاضوا أمام المحاكم إن سرقوا أموال الدولة. ما زال الجنرالات يرفضون هذه المطالب، لكنهم سيضطرون في النهاية إلى الموافقة عليها، لأنه لا خيارات بديلة لديهم.

اعتبرتم عام 2012 أن الشروط الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تقود إلى صعود الشعبوية لم تعد قائمة. هل تعتقدون أن هذا الاستنتاج ما زال صحيحاً اليوم؟ وما هي قراءتكم للمستقبل السياسي للجزائر؟
الشعبوية ارتبطت بمواجهة الحركة الوطنية للسيطرة الاستعمارية خلال حقبة تاريخية محددة. سمحت الشعبوية بالحفاظ على وحدة الشعب ضد هذه السيطرة. بعد الاستقلال، أصبحت «مورداً أيديولوجياً» يبرر خصخصة السلطة من قِبَل نظام أعاق تطور البلاد. الشعبوية فعالة فقط في مواجهة الاحتلال الأجنبي، لكنها بعد رحيل الاحتلال تصبح مزايدة لفظية جوفاء. لقد تسببت في الجزائر بالقطيعة بين الدولة والناس، وحالت دون تنمية الاقتصاد، وعززت الإثراء على قاعدة الريع والزبائنية. الشعبوية ليست ثورية في حالة السلم. نرى ذلك بوضوح مع ازدهار اليمين المتطرف ذي النزعة الفاشية في أوروبا، ومع ترامب الشعبوي العنصري في الولايات المتحدة.

الباحث السياسي الجزائري