سبق لرئيس المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق الوطني»، فائز السراج، أن طرح مبادرة لحل أزمة بلاده قبل أسبوع. تركزت المبادرة حول تنظيم «ملتقى وطني» برعاية الأمم المتحدة، تتحقق عبره مصالحة وعفو، وتنظّم انتخابات وصولاً إلى اتفاق على دستور يشمل إعطاء صلاحيات لامركزية للأقاليم. تتشابه مبادرة السراج مع البرنامج الذي عملت عليه الأمم المتحدة قبل بدء هجوم المشير خليفة حفتر على طرابلس في الرابع من نيسان/ أبريل الماضي، لكنها تتناقض معه في نقطة واحدة هي إقصاء حفتر من المحادثات.

رداً على هذه المبادرة، طرح حفتر رؤيته المستقبلية للبلاد، في حوار طويل مع صحيفتين محليتين الخميس الماضي، أكد فيه أنه لا يرى مكاناً للحوار حالياً، بل يصرّ على مواصلة القتال حتى السيطرة على العاصمة. فالخيار الوحيد الذي يطرحه على أعدائه هو الاستسلام، لكن ذلك لا يعني أن نظرته عسكرية بحتة، فهو يرى ضرورة للحوار لكن بعد إخضاع طرابلس، ثم التعامل مع الفاعلين في غرب البلاد من موقع القوي.
وسط ذلك، ينتقل المبعوث الأممي، غسان سلامة، بين مكتبي السراج وحفتر، في محاولة لإيجاد صيغة ترضي الطرفين. والمشكلة الآن أنه لا بوادر للتنازل أو المساومة من الجانبين، فكلاهما واثق من قدرته على الانتصار وفرض شروطه. يعود هذا الانسداد إلى عجز داخلي على المراوحة بين الحرب والسياسة، لكنه يرجع أيضاً إلى التصادم بين مشروعين إقليميين يرى كل منهما في ليبيا ساحة لإبراز القوة، وانقساماً دولياً على قاعدة المصالح الجيوسياسية.

الاستثمار في الحرب
في الأيام الأولى للهجوم على طرابلس، نجحت قوات حفتر في السيطرة على بؤر استراتيجية محيطة بالعاصمة، هي مدينتا صبراتة وصرمان غرباً، ومدينتا ترهونة وغريان جنوباً. لكن بعد استجماع «الوفاق» قواتها، استطاعت الأخيرة إبقاء خطوط القتال في التخوم الجنوبية لطرابلس، وإخماد الجبهة الغربية التي نجحت في احتوائها منذ اليوم الأول للحرب، بعد أسر نحو 100 مقاتل يتبعون لحفتر. ولأكثر من شهر، استمر القتال جنوب العاصمة بوتيرة منخفضة، دون اندفاع كبير أو تغير يذكر في مواقع السيطرة. لكن الأوضاع بدأت في التغير تدريجياً، فارتفعت وتيرة القتال وطبيعته بتدفق الدعم الأجنبي.
الدولتان الأساسيتان المتورطتان في التسليح هما الإمارات (إلى جانب حفتر)، وتركيا (إلى جانب «الوفاق)». تمثل الدولتان محورين إقليميين هما الأكثر اندفاعاً لناحية الرغبة في التدخل العسكري، إذ تحشد الإمارات وراءها مصر والسعودية اللتين تحملان درجة عداء مشتركة لـ«الإسلام السياسي»، لكنهما تفضلان في ليبيا لعب أدوار الدعم السياسي والتسهيل اللوجستي لفائدة حفتر ومحوره، فيما تحشد تركيا وراءها قطر التي كانت أكثر استعداداً منها لتقديم دعم عسكري إلى حلفائها الليبيّين في الأعوام الماضية، لكنها تراجعت أخيراً جراء الظروف التي تعيشها، ولاتهامها بتمويل «الإرهاب». ولذلك، تعكس ترسانة الأسلحة الموردة إلى ليبيا في الشهرين الماضيين مدى تصميم المحورين على التصادم: طائرات قتالية مسيرة، ومدرعات قتالية، وأنظمة دفاع جوي... وغيرها. إذ لم تظهر بعض هذه الأسلحة حتى في مناطق النزاع الأكثر دموية في الإقليم، ما جعل مراقبين يرجحون وجود «ضوء أخضر» من دول كبرى لاستعمالها.

بعد انخفاض القتال لأكثر من شهر، عاد إلى الارتفاع بالدعم الإماراتي والتركي


تبدو الحرب بين الدول الإقليمية واضحة الأهداف والغايات، لكن مصالح الدول الكبرى أقل وضوحاً وأكثر تشابكاً. فمن ناحية، يوجد تقريباً إجماع بين المراقبين على أن الولايات المتحدة تحت إدارة دونالد ترامب أعطت صكاً على بياض للإمارات وحلفائها للتصرف في بعض الملفات الإقليمية، وخاصة اليمن وليبيا. ومن ناحية ثانية، تواصل فرنسا في عهد إيمانويل ماكرون نهج سياساتها القديمة في أفريقيا، التي تنبع من نظرة دونية تجاه شعوب العالم الثالث بصفة عامة. فتدعم باريس في ليبيا مشروع حفتر، ولا مشكلة عندها في تأسيس نظام عسكري يضبط الحدود ويحفظ مصالحها في منطقة الساحل. أما نظرة إيطاليا، فلا تخرج عن حسابات التاريخ والجغرافيا، إذ تركز نفوذ روما تقليدياً في الجزء الغربي من ليبيا، وعندما انقسمت البلاد سياسياً، كان من مصلحتها دعم حكام طرابلس بصرف النظر عن هويتهم، للسيطرة على حركة الهجرة، لأن النفوذ يتركز في العاصمة. لكن مشكلة إيطاليا مع فرنسا لا تتجاوز التزاحم حول حماية مصالحها شبه الاستعمارية في ليبيا، وأساساً قطاع المحروقات ومشاريع البنى التحتية والتسليح.
الدولة الأكثر اهتماماً بليبيا خارج النادي الغربي هي روسيا التي يُنسب إليها تعطيل مشروع قرار في مجلس الأمن يدين هجوم حفتر، في محاولة لاسترجاع بعض ما خسرته إثر سقوط نظام معمر القذافي، من عقود استخراج نفط وأشغال البنى التحتية والتسليح. ففي الأعوام الأخيرة، تحاول موسكو لعب دور، لكنها لم تجد مدخلاً مناسباً. ورغم دعمها حفتر في بعض الملفات، مثل طبع عملة موازية له (وربما تقديم استشارات عسكرية)، تحاول تبني خطاب متوازن، ومسك العصا من المنتصف، على أمل أن تُنادى للوساطة، ولا سيما في ظل موقف أميركي متذبذب بين ترامب، وأعضاء إدارته.

رهانات مدمرة
تحمل مطامح المحورين الإقليميين المتنافسين، والدعم أو اللامبالاة اللذان يجدانهما من الدول الكبرى، تهديدات لمستقبل ليبيا كبلد موحد ومستقر، حيث لا يرتكز وجود الإسلاميين على تنظيمات سياسية قوية ومنظّمة، بل على شبكات علاقات ومؤسسات وشخصيات متناثرة، لكنها متجذرة في بيئاتها المحلية، وينطبق الأمر نفسه على وجود حفتر ومحوره. يعني ذلك عملياً إمكانية انزلاق الصراع من قواعده السياسية إلى صراع بين أقاليم ومدن وأحياء وقبائل وعائلات، وهو أمر بدأ. فاليوم، عندما يتحدث المتصارعون إلى بعضهم بعضاً يتوجهون بالحديث إلى «أهالي» المدن أو المنطقة الشرقية أو الغربية لسحب أبنائهم من المعارك، ولا يُوجه الحديث إلى أفراد مقاتلين، لأن القوات تتركب أساساً من أبناء منطقة أو حي أو قبيلة واحدة. لا ينطبق ذلك طبعاً في جميع الحالات، إذ تنقسم في بعض الأحيان قبائل ومدن، فيحدث أن تجد في غريان والزنتان مثلاً شقيقين يقاتل أحدهما ضد الآخر، ويوجد مساندون لحفتر وسط طرابلس، وتقاتل إلى جانب «الوفاق» مجموعات من بنغازي.
للصراع الليبي جذوره المحلية التي صنعتها عقود من الهدر والتمييز والتمنع عن تحصين المجتمع بخلق مؤسسات دولة ومجتمع مدني مستدامة، لكن التدخلات الخارجية تفاقم الوضع وتؤزمه وتطيله. واليوم، لا يبدو أن المتخاصمين مستعدون للحوار في ظل تدفق السلاح وتصعيد الشد الأيديولوجي، كما أن الحسم العسكري بات مستحيلاً دون كلفة بشرية ومادية هائلة تخلق مزيداً من المظالم التي تهدد وحدة البلاد وتماسك المجتمع.