الجزائر | لم يكن يخطر على بال أحد أن يدخل رئيس الحكومة السابق، أحمد أويحيى، السجن، لكن هذا هو الذي حصل فعلاً قبل ثلاثة أيام، بعدما قرر قاضي التحقيق في المحكمة العليا إيداعه الحبس الاحتياطي، إثر توجيهه تهم فساد ثقيلة إليه. ولم يختلف مصير الوزير الأول الآخر، عبد المالك سلال، عن سابقه، فقد أودع هو الآخر قبل يومين السجن نفسه، وبالتهم ذاتها تقريباً، والتي تتلخّص في منح امتيازات غير مبررة في مجال الصفقات العمومية والعقود، وتبديد أموال عمومية، وإساءة استغلال الوظيفة، وتعارض المصالح.

واستمرّ حبل القضاء في جرّ أسماء ثقيلة إلى السجن، على غرار الوزير السابق ورئيس «الحركة الشعبية الجزائرية»، عمارة بن يونس، في حين يُنتظر أن يلقى رئيس حزب «أمل الجزائر»، عمار غول، المصير عينه، بعد تجريده من الحصانة باعتباره سيناتوراً في مجلس الأمة. وبسجن هذه الأسماء، تكون أضلاع «التحالف الرئاسي» التي دعمت الرئيس السابق، ودعته إلى الترشح لولاية خامسة، قد أصبحت كلها تقريباً وراء القضبان، باستثناء حزب «جبهة التحرير الوطني» الذي لا يزال يتحرك علانيةً، مُوجِّهاً بوصلته نحو قيادة الجيش، التي بات يدعمها بقوة.
كذلك، يواجه وزراء سابقون، مثل يوسف يوسفي، وعبد الغني زعلان (آخر مدير حملة للرئيس بوتفليقة)، وعبد السلام بوشوارب الفارّ خارج الوطن، وشكيب خليل، تهماً قد تجعلهم تحت طائلة المساءلة في الأيام المقبلة. وأضيف على غير المتوقع، أول من أمس، المرشح السابق للرئاسيات، علي غديري، إلى قائمة السجناء، وهو لواء سابق في الجيش، كان قد أثار جدلاً واسعاً بترشحه قبل بدء الحراك الشعبي، وانتقاده قائد أركان الجيش، أحمد قايد صالح، قبل أن يتراجع عن ذلك بعد إطاحة الرئيس بوتفليقة. وهو اليوم متّهمٌ بتقديم معلومات حساسة إلى جهات أجنبية، ما يجعل من وضعه معقداً، وخصوصاً أن القضاء يتعامل بشدة مع هذا النوع من القضايا.
وتحوّل سجن الحراش، الواقع في الضاحية الشرقية للعاصمة، بفعل هذه النوعية من النزلاء، إلى أشهر سجن في الجزائر. فبالإضافة إلى كبار المسؤولين في الدولة، يوجد فيه حالياً أغنى أغنياء الجزائر من رجال الأعمال الذين كوّنوا ثروات طائلة في عهد الرئيس السابق، وعلى رأسهم علي حداد، الرئيس السابق لمنتدى رؤساء المؤسسات، ومحيي الدين طحكوت، صاحب شركات النقل وتركيب السيارات، والإخوة كونيناف، أكثر المقربين من شقيق الرئيس السابق، وأصحاب استثمارات كبرى في مجال الإنشاءات، فضلاً عن رجل الأعمال يسعد ربراب، صاحب أكبر ثروة في الجزائر (تُقدر بـ 3.4 مليارات دولار حسب تصنيف «فوربس»)، والذي رغم أنه كان مُحارَباً من حكومات الرئيس السابق، إلا أن ذلك لم يشفع له في دخول السجن، بعد اتهامه في قضايا فساد وربط اسمه بقائد المخابرات السابق، الفريق محمد مدين، المدعو «توفيق»، صاحب الخصومة الشديدة مع قيادة الجيش الحالية.

تحوّل سجن الحراش، الواقع في الضاحية الشرقية للعاصمة، إلى أشهر سجن في الجزائر


ويقبع الجنرال «توفيق»، صاحب النفوذ الواسع قبل إطاحته من منصبه عام 2015، في السجن هو الآخر، مع كلّ من شقيق الرئيس السابق ومستشاره الخاص، السعيد بوتفليقة، وقائد المخابرات الذي خَلَفه، اللواء بشير طرطاق، لكن الثلاثة موجودون في السجن العسكري في البليدة، في قضية لا علاقة لها بالفساد، تتعلق بالتآمر على سلطة الدولة والجيش، وذلك بعدما جرى اتهامهم بمحاولة إقالة رئيس أركان الجيش من منصبه، بعد شهر من بدء الحراك الشعبي في 22 شباط/ فبراير. ويُروى أن قايد صالح رفض أوامر بالمشاركة في قمع التظاهرات، ما دفع بالثلاثة إلى التخطيط لإطاحته، في تهمة يرفضها محامي السعيد بوتفليقة والجنرال «توفيق»، اللذين يقولان إن غرضهما من الاجتماعات كان محاولة إيجاد حلول للأزمة التي استفحلت في ذلك الوقت. كما تقبع في السجن، بسبب القضية نفسها، زعيمة حزب «العمال» لويزة حنون، التي اتُهمت كذلك بالمشاركة في تلك الاجتماعات، ما جعل القضاء العسكري يُكيّف في حقها تهمة التآمر على الجيش.
وينظر الجزائريون عموماً بارتياح إلى تحرك القضاء وجرأته، وخاصة مع بعض الشخصيات التي يتركز حولها غضب شديد، وفي طليعتها أحمد أويحيى، الذي ظلّ في المخيال الشعبي منبوذاً بشدة، كونه أكثر السياسيين تعميراً في المسؤولية حتى قبل مجيء بوتفليقة عام 1999، وقد بقي واجهة النظام السياسي لمدة طويلة، ما جعل اسمه يرتبط بأكثر القرارات غير الشعبية، مثل تسريح العمال من الشركات العمومية، وتخفيض الأجور، ووضع الإطارات في السجون. كما أن تصريحاته الاستفزازية التي تبرّر التقشف وقمع الحريات، وتلوّنه حسب الظروف السياسية للبقاء في مواقع المسؤولية، جعلته العدو السياسي الأول لِطيفٍ واسع من المعارضة، وحتى من الأحزاب التي كانت في السلطة. لكن الضربة القاضية لأويحيى شعبياً، كانت تصريحاته أمام البرلمان بعد انطلاق المسيرات الرافضة للولاية الخامسة، حين حذر من تحول البلاد إلى الوضع السوري في حال استمرار التظاهرات، الأمر الذي كلّفه رداً قاسياً من الحراك الشعبي الذي بات يهتف ضده في كل يوم جمعة كما أمس. وذهب البعض، بعد سجن أويحيى، إلى عدم الاكتفاء بذلك، والتفكير صراحة في كيفية محاسبة الرئيس السابق ولو بشكل رمزي مراعاة لوضعه الصحي الصعب، كما صرح الناشط الفاعل في الحراك مصطفى بوشاشي.
الشعور العام المدفوع برغبة في القصاص من هؤلاء المسؤولين بسبب تغوّلهم واستغلالهم النفوذ لتكوين ثروات طائلة على حساب مستقبل باقي الجزائريين، يقابله تخوّف من أن لا يكون دافع هذه الاعتقالات تحقيق العدالة، بقدر ما هو السعي إلى تقديم «أكباش فداء» من قِبَل جناح السلطة المستحكم حالياً، من أجل إنقاذ النظام السياسي الذي يطالب الحراك الشعبي بتغييره بشكل جذري. تخوّف انعكس في بعض شعارات تظاهرات أمس، التي رحّبت بالمحاسبة، مشددة في الوقت نفسه على أهمية عدم التفريط ببقية المطالب السياسية المتمثلة في رحيل «رموز النظام»، وعلى رأسهم رئيس الدولة عبد القادر بن صالح، ووزيره الأول نور الدين بدوي. وفي هذا الإطار، جدّد متظاهرون رفضهم أي حوار مع الحكومة، داعين إلى المسارعة إلى إيجاد حل سياسي في إطار ما تكفله المادة 7 من الدستور، والتي تنصّ على أن السلطة بيد الشعب.