في الأعوام القليلة الماضية، التزمت الولايات المتحدة بدعم حكومة «الوفاق الوطني»، سواء سياسياً عبر الدبلوماسية وتبادل الزيارات ودعم جهود البعثة الأممية التي تشغل فيها ممثلتهم ستيفاني ويليامز، منصب نائبة المبعوث للشؤون السياسية، أو عسكرياً وأمنياً عبر برامج التدريب والتجهيز والتنسيق العسكري لشنّ ضربات تستهدف نشطاء تنظيمَي «داعش» و«القاعدة». وقد ظهر هذا الاتجاه الأميركي بوضوح خلال عملية «البنيان المرصوص» لتحرير سرت، حيث قامت الطائرات الأميركية بأكثر من 500 طلعة لمساندة القوات الميدانية (تم ذلك عبر القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا الـ«أفريكوم»، ووكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه»). لا يعني ذلك عدم وجود تواصل بين الأميركيين وخليفة حفتر، لكنهم حافظوا على مستوى أدنى من التواصل معه خلال الفترة الماضية السابقة للهجوم على طرابلس، من دون تقديم دعم يُذكر.

حتى لا يكون الحديث مجرداً، لا بد من الإحالة إلى عدد من المحطات التي شهدتها ليبيا. أبرز الملفات التي يظهر فيها الدعم الأميركي لحكومة «الوفاق»، يرتبط بوحدة المؤسسات الاقتصادية والمالية، وخاصة حصر حق الاستغلال النفطي بـ«المؤسسة الوطنية للنفط»، والاستغلال المالي بـ«مصرف ليبيا المركزي». حاول حفتر خلق مؤسستين موازيتين للموجودتين في طرابلس، لكنه لم ينجح في تسويق النفط عبرهما بعد سيطرته على أهم الموانئ النفطية في البلاد، نظراً الى الضغوط الدولية التي سُلّطت عليه، والتي كان للولايات المتحدة نصيب مهم منها.
تماشياً مع هذا الخط السياسي، تفاعلت وزارة الخارجية الأميركية مع هجوم قوات حفتر على طرابلس، بالوقوف إلى جانب حكومة «الوفاق الوطني». في 7 نيسان/ أبريل، أي بعد ثلاثة أيام من بدء المعارك، أصدر وزير الخارجية، مايك بومبيو، بياناً قال فيه: «لقد أوضحنا أننا نعارض الهجوم العسكري من قِبَل حفتر، وندعو إلى الوقف الفوري للعمليات ضد العاصمة»، مؤكداً «عدم وجود حل عسكري للصراع الليبي»، مع الإشارة إلى ما يهدد المدنيين. ووفق ما جاء في حوار المبعوث الأممي، غسان سلامة، مع إذاعة «بي بي سي» منتصف هذا الشهر، يُلخَّص موقف الخارجية الأميركية بضرورة «عودة القوات إلى مواقعها السابقة»، وهو ما تُطالب به حكومة «الوفاق» ويرفضه حفتر.

أقال ترامب المكلف بالأعمال في ليبيا الذي حذّر حفتر من الهجوم على طرابلس


إلى حد تلك اللحظة، بدا الأميركيون متناسقين مع مواقفهم السابقة، إلى أن قرر ترامب قلب الطاولة، يوم الجمعة الماضي، حين أصدر البيت الأبيض بياناً قال فيه إن ترامب اتصل بحفتر هاتفياً، و«أقرّ (ترامب) بدور المشير، المهمّ في مقاومة الإرهاب وتأمين موارد ليبيا النفطية»، كما «ناقشا رؤية مشتركة لانتقال ليبيا باتجاه نظام سياسي مستقر وديموقراطي». بداية، أشار البيان إلى خليفة حفتر كـ«مشير»، وهو وصف مختلف عما استخدمه وزير الخارجية عندما وصف التشكيلات المهاجمة لطرابلس بـ«قوات حفتر»، ويعني ذلك إسباغاً لـ«الشرعية» على حفتر بالاعتراف برتبته التي لم يتحصل عليها من حكومة «الوفاق»، والتي يتولى مجلسها الرئاسي وظيفة القائد الأعلى للجيش، وفق اتفاق المصالحة عام 2015. علاوة على ذلك، يبدو أن البيت الأبيض لم يورد إلا نصف حكاية التواصل مع حفتر. إذ نشرت وكالة «بلومبيرغ»، مساء أول من أمس، مقالاً يستند إلى تسريبات من دبلوماسيين أميركيين، يوفر معلومات أكبر عن مسار الاعتراف بحفتر وهجومه. تكشف المعلومات أن مستشار ترامب للأمن القومي، جون بولتون، اتصل بحفتر أولاً، ما ترك لدى الأخير «انطباعاً بوجود ضوء أخضر أميركي لهجوم قواته على طرابلس». أما اتصال ترامب نفسه، فقد وقع يوم الاثنين في 15 نيسان/ أبريل، أي بعد أسبوع من زيارة الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، لواشنطن، حيث «حث (ترامب) على دعم حفتر». كما تحدث الرئيس الأميركي مع ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، قبل يوم واحد من إصدار البيت الأبيض البيان المذكور. وفي سياق توضيح الخلاف داخل الإدارة الأميركية، أشارت «بلومبيرغ» أيضاً إلى إقالة ترامب وبولتون المكلف بالأعمال في ليبيا، بيتر بودي، الذي حذر حفتر باستمرار من مغبة التقدم نحو طرابلس. أحد هذه التحذيرات جاء خلال اجتماع في أبو ظبي في شهر شباط/ فبراير الماضي، حين قال بودي لحفتر إن «طرابلس خط أحمر».
وبدا تأثير الخلاف بين ترامب وفريق إدارته على موقف واشنطن في مجلس الأمن الدولي. ففي حين دعمت بدايةً جهود بريطانيا لاستصدار قرار يدين هجوم حفتر، صارت لاحقاً ضمن مجموعة المعترضين عليه، والتي تشمل أيضاً فرنسا الداعمة لحفتر بنشاط منذ أعوام، وروسيا التي تنتظر انفتاح نافذة أمامها للقيام بدور في الملف الليبي. يشي ذلك بانقياد ترامب وراء مشروع حلفائه في المنطقة، على حساب تقديرات الإدارة الأميركية. وفيما يُستبعد حصول تدخل أميركي مباشر لنصرة حفتر، يبدو الأمر كما لو أن ترامب أصدر تفويضاً لمصر والسعودية والإمارات للتصرف بحرية في ليبيا، التي تنظر إليها هذه الدول كحلقة أخرى في سلسلة البلدان التي تقود فيها حملة القضاء على «الإسلام السياسي» والنفوذ التركي القطري، وإقامة أنظمة حكم استبدادية كما ترغب فرنسا التي تشاركها الهدف. كذلك، يبدو أن للإمارات بالخصوص طموحات تجارية أوسع في ليبيا وموانئها، حيث يُمكن أن تمثل لها مستقبلاً بوابة لدخول المتوسط.