تتواصل المعارك في مناطق جنوب طرابلس على نحو متقطّع، ويتبادل طرفا القتال السيطرة على المعسكرات والأحياء. وبينما نجحت قوات المشير خليفة حفتر في الأيام الماضية في إحكام قبضته على بعض المواقع الاستراتيجيّة في قصر بن غشير وطريق المطار، تمكنت «حكومة الوفاق» من استعادة ضاحية العزيزيّة والانتشار على امتداد عشرات الكيلومترات في المناطق المحيطة بها. ولا يزال القتال يدور، بصورة عامة، في مواقع ذات كثافة سكانيّة منخفضة وتحيط بها مساحات شاسعة خالية. وفي موازاة ذلك، أعلن فرع «منظمة الصحة العالميّة» في ليبيا، أمس، أنّ عدد القتلى بلغ 272، يضاف إليهم 1282 جريحاً وأكثر من 30 ألف نازح توزعوا على الأحياء والمناطق الأكثر أمناً.

وبرغم أهميّة ما يحصل في الميدان، إلّا أنّ أبرز التحركات الآن تجري على مستوى دبلوماسيّ، لتوفير دعم دوليّ للهجوم، من ناحية سُلطة شرق البلاد التي يقودها حفتر، ولإيقاف الهجوم وسحب القوات من طرابلس، من ناحية «حكومة الوفاق» المعترف بها دوليّاً. ففي اليومين الماضيين، أرسلت «الحكومة المؤقتة» التي تدير شرق البلاد سياسياً رفقة البرلمان، وزير خارجيتها عبد الهادي الحويج، إلى تونس. ولم يلتق الحويج بأي مسؤول من الصفّ الأول، رغم نقله رسالة من رئيس حكومته، وقد استقبله مستشار رئيس الجمهورية، نور الدين بن تيشة.
جاء الرجل ليدافع عن قضيّة حفتر، مستخدماً مفردات من نفس المعجم الذي يستخدمه هذا الأخير على امتداد الأعوام الخمس الماضية، مثل «محاربة الإرهاب» و«استعادة الدولة» وغيرها. كذلك طرح ما يبدو مساومةً لتونس، إذ ذكر موضوع عودة الشركات والعمال التونسيّين للنشاط في ليبيا فور استعادة الأمن. وتأتي زيارة الحويج بعد أيام من زيارة نائب رئيس المجلس الرئاسي لـ«حكومة الوفاق» أحمد معيتيق، لتونس، حيث استقبله كلّ من رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة.

اعتبر السراج موقف بومبيو أهم من تلك التي أطلقها ترامب في اتصاله بحفتر


بدوره، يواصل رئيس المجلس الرئاسيّ لـ«حكومة الوفاق»، فائز السراج، ضغطه على فرنسا. وفي حوار نشرته جريدة «ليبيراسيون» الفرنسيّة مساء أول من أمس، قال السراج: «نحن متفاجئون بأنّ فرنسا لا تساند حكومتنا الديمقراطيّة، وتساند ديكتاتوراً»، مضيفاً أن «الليبيّين لم يفهموا (هذا الموقف). عندما اتصل بي إيمانويل ماكرون حذرته من أنّ الرأي العام في طرابلس ضدّ فرنسا. نحن لا نريد أن يكره الليبيّون فرنسا التي لا يزال بإمكانها أداء دور إيجابيّ ومهمّ في ليبيا».
عبّر السراج أيضاً عن استغرابه من المواقف الدوليّة بصفة عامة، بالقول: «نحن لا نفهم حقّاً صمت المجتمع الدوليّ في حين أنّ الأفعال موثّقة. اضطررنا إلى غلق المدارس لحماية الأطفال من القصف. يجب تتبّع حفتر جنائياً على هذه الجرائم». وأضاف في تحذير جديد لأوروبا: «وضعنا لا يعني ليبيا فقط، بل كذلك أوروبا، لأنّه يوجد هنا مئات آلاف المهاجرين من جنوب الصحراء، ومع تواصل المعارك سيبحثون عن اللجوء إلى أوروبا». أما بخصوص موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المساند لحفتر، وتضاربه مع موقف وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو، فقال السراج: «بالنسبة إلينا، موقف وزير الخارجيّة هو المهمّ، وقد طالب خليفة حفتر بالاسم بإيقاف المعارك».
في ذات السياق، قال مسؤول دبلوماسيّ روسيّ رفيع، لوكالة «أسوشييتد برس» إنه دعا قوات حفتر إلى وقف إطلاق النار وكبح التقدّم نحو وسط طرابلس. يأتي هذا التصريح من المسؤول الذي لم يكشف عن هويّته بعد مساندة روسيّة لحفتر في مجلس الأمن الدوليّ، حين عرقلت صدور قرار يدين هجومه المفاجئ على العاصمة، وبعد زيارة مسؤول يتبعه إلى موسكو يوم الأربعاء الماضي، وفق الوكالة نفسها.
بموازاة ذلك، انتقل المبعوث الأمميّ الخاصّ، غسان سلامة، إلى إيطاليا، أمس، حيث التقى وزير خارجيتها، إينزو موافيرو ميلانيزي، ورئيس حكومتها جوزيبي كونتي. وقال في مؤتمر صحافيّ إنّه أعاد التواصل بين طرفي القتال، وإنّه يأمل أن يرى «نتائج ذلك قبل حلول شهر رمضان»، لكنّ ذلك يستوجب «دعماً قوياً من المجتمع الدوليّ». وفي حوار مع صحيفة «كورييرا ديلا سيرا» الإيطاليّة، أعاد سلامة التشديد على ضرورة وجود «التزام جماعيّ لإيقاف هذا الصراع الأنانيّ وغير المجدي»، مضيفاً أنّ «الشعب الليبيّ عبّر عن نفسه بوضوح، حيث يطالب بإنهاء الفترة الانتقاليّة، والعيش بسلام في دولة مدنيّة تحكمها القوانين». وأنهى حديثه بالقول إنّ «الملتقى الوطنيّ (الذي أجّله هجوم حفتر) هو المسار لتحقيق هذه الأهداف».