الجزائر | تتوالى تصريحات التبرؤ من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، من قِبَل أكثر الشخصيات تزلّفاً له في السنوات الأخيرة، بنحو يبعث على الاعتقاد بأن ما يجري سيناريو لفيلم خيالي. أول من أمس، خرج أبرز قادة «التجمع الوطني الديموقراطي»، ثاني أكبر حزب داعم للرئيس، بتصريحات صادمة، انقلب فيها تماماً على ما عَهِده منذ سنوات. ومن بين مطلقيها القيادي المقرب جداً من الوزير الأول السابق أحمد أويحيى، النائب صديق شهاب، الذي أكد أن حزبه لم يكن مقتنعاً بترشيح بوتفليقة لولاية خامسة، لأن صحته لم تكن تسمح بذلك، لافتاً إلى أن «قوى غير دستورية» هي التي كانت تُسيّر الجزائر في السنوات الأخيرة بعد مرض الرئيس. ويشير مصطلح «القوى غير الدستورية»، الذي غالباً ما تستعمله المعارضة، إلى عائلة الرئيس بوتفليقة، خصوصاً شقيقه الأصغر ومستشاره السعيد بوتفليقة. ورغم أن حزب أويحيى حاول التخفيف من حدّة تلك التصريحات، إلا أن تخليه عن بوتفليقة بدا واضحاً، خاصة على مستوى قواعده النضالية التي أصبحت تتمرد تماماً على القيادة.

أما حزب «جبهة التحرير الوطني»، الذي ينتمي إليه بوتفليقة، فهو يعيش الظروف نفسها، من حيث الصراعات الداخلية التي تفجرت عقب الحراك الشعبي. ودفع هذا الواقع، منسق الحزب، رئيس البرلمان معاذ بوشارب، إلى الإعلان أن حزبه يقف مع الشعب في مطالبه، منقلباً بذلك كلياً على تصريحاته السابقة التي ذهبت إلى حدّ اعتبار «الرئيس بوتفليقة مُرسَلاً من عند الله»، في الفترة التي كان الحزب متحمساً لترشيحه للولاية الخامسة. وأصبح قياديو «جبهة التحرير الوطني»، المعروفة اختصاراً بـ«الأفلان»، يُجاهرون بانتقاد الرئيس ومحيطه علناً، بل والتبرؤ من سني حكمه، حتى ذهب الناطق باسم الحزب حالياً، حسين خلدون، إلى حدّ القول إن «حزبه لا يريد أن يكون واجهة لنظام ارتكب أخطاءً جسيمة». وفي آخر اجتماع للحزب، أظهرت فيديوهات اشتباكاً لفظياً بين محافظي الحزب ونوابه، كدليل على فقدان البوصلة داخل الحزب الذي يُسمّى في العرف السياسي الجزائري بـ«الجهاز»، لأنه ظلّ يمارس الحكم في الواجهة فقط، بينما لم يكن القرار يوماً بيده.

نهاية ولاية بوتفليقة في ظلّ تأجيل الانتخابات ستضع الجزائر أمام حالة فراغ دستوري


أما الضربة الأخرى التي تلقاها الرئيس ودائرته الضيقة، فقد جاءت من أكبر النقابات العمالية ومنظمات رجال الأعمال المساندة له. ونشر الاتحاد العام للعمال الجزائريين بياناً في هذا الصدد، أعلن فيه دعمه لمطالب الشعب والعمل على تجسيدها، وهو تحول لافت من تنظيم يقوده أحد أكبر مساندي بوتفليقة على الإطلاق. وسبق لكبير النقابيين، عبد المجيد سيدي السعيد، أن صرح قبل فترة بأن الانتخابات الرئاسية مسألة شكلية فقط، وأن الرئيس سيفوز بولايته الخامسة لا محالة. الصورة نفسها طبعت «منتدى رؤساء المؤسسات»، وهو تنظيم رجال الأعمال من الأثرياء الجدد، الذين بنوا ثرواتهم في فترة الرئيس بوتفليقة. فقد أعلن رئيسه، علي حداد، أنه يدعم الحراك الشعبي، في تنصل واضح من صداقة شقيق الرئيس، التي كان يحرص على إظهارها في كل المناسبات. وكان هذا التنظيم قد أعلن في بداية العام دعم الولاية الخامسة، وجمع مبالغ طائلة لتنظيم الحملة الانتخابية، إلا أن الحراك الشعبي المباغت جعل الكثير من أعضائه يقررون الانسحاب.
وفي ظلّ هذه الظروف، توالت أنباء عن أن الرئيس سيعلن عبر رسالة جديدة، اليوم الخميس، انسحابه من الرئاسة في نهاية عهدته الحالية يوم 28 نيسان/ أبريل المقبل. وذكر موقع «ألجي 24»، المعروف بقربه من الرئاسة، أن هذا القرار اتُّخذ بسبب غياب التجاوب الشعبي مع خريطة الطريق التي عرضها الرئيس في رسالته يوم 11 آذار/ مارس. لكن ما نشره الموقع المذكور يبقى غير مؤكد، في ظلّ تصريحات وزير الخارجية، رمطان لعمامرة، المتتالية، وآخرها من برلين أمس، حيث أكد أن الرئيس بوتفليقة لن يرحل إلا عندما يسلّم السلطة للرئيس الجديد.
وتبرز تخمينات عدة إزاء ما سيفعله الرئيس ومحيطه إذا استمر الحراك الشعبي، تشي بأن أمام الرئاسة خيارين: إما إعلان استقالة بوتفليقة الآن، أو الانتظار إلى نهاية ولايته. لكن الخيار الأول يبدو مستبعداً، رغم أنه لن يمثل انتقاصاً من قيمة بوتفليقة، الذي لا يريد أن يخرج من الباب الضيق. لكن الإشكال في أن الخيار الثاني سيضع الجزائر أمام حالة فراغ دستوري، لا يُعلم كيف يجري التعامل معها؛ إذ لا ينظم الدستور في مواده حالة خروج الرئيس من دون إجراءات انتخابات تعوضه، وهو ما ينطبق على الوضع الحالي بعد إلغاء انتخابات 18 نيسان/ أبريل.
ولتجاوز هذا الإشكال، تدفع بعض شخصيات المعارضة باتجاه أن يُعين الرئيس بوتفليقة في هذه الفترة، قبل انسحابه، شخصية بإمكانها التفاوض باسمه مع النشطاء في الحراك والنقابات ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب، لتشكيل هيئة رئاسية تتكون من شخصيات، بإمكان الرئيس أن يسلمهم كرسي الرئاسة بعد رحيله. وتشير مصادر «الأخبار»، في هذا الصدد، إلى أن بعض الأسماء مطروحة فعلاً على الطاولة، على غرار رئيسَي الحكومة السابقَين أحمد بن بيتور، ومولود حمروش، ووزير الخارجية السابق أحمد طالب الإبراهيمي، الذي قد يرفض بسبب متاعبه الصحية، وأيضاً الرئيس السابق إليامين زروال، الذي لا يزال يتمتع بالشعبية. كذلك، هناك من يقترح اللواء المتقاعد رشيد بن يلس، الذي برز اسمه معارضاً في السنوات الأخيرة. وفي حال قبول هذا الاقتراح، سيكون على عاتق هذه الهيئة الرئاسية إجراء مشاورات لتشكيل حكومة تكنوقراطية لتصريف أعمال الدولة، ثم العمل على ترتيب المرحلة الانتقالية في ظرف زمني يراوح بين 6 و12 شهراً، من خلال إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم الانتخابات، وإعادة صياغة قوانين الانتخاب، لضمان أن تكون الانتخابات الرئاسية المقبلة نزيهة ومعبّرة عن خيار الشعب.