لم تكن تظاهرة أمس، التي شارك فيها عدة آلاف من الطلاب وموظفي قطاع الصحة، مجرد ردّ على رسالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الثالثة، التي أكد فيها تمسكه بـ«خريطة الطريق» التي رسمها في رسالته السابقة، بل مثلت رداً على موقف الجيش المتحول، الذي عبّر عنه رئيس الأركان، ونائب وزير الدفاع، الفريق أحمد قايد صالح، بالتلميح إلى دور أكثر فاعلية للمؤسسة العسكرية، بقوله إن على الجيش تحمّل المسؤولية لإيجاد حل سريع للأزمة. وبينما كانت مطالب المحتجين والمعارضة تراوح بين سقف منخفض تمثل بـ«لا للعهدة الخامسة»، وآخر مرتفع تمثل بـ«إسقاط النظام» والتغيير الشامل، يبدو المشهد أكثر وضوحاً برفض تدخل الجيش، الذي يسيطر على مفاصل السلطة بشكل مباشر وغير مباشر، رغم أنه لم يواجه التظاهرات بالقوة، وظلّ منذ بدء الاحتجاجات ملازماً لثكناته، بل أشاد بالشعب و«غيرته على وطنه»، كما قال قايد صالح أخيراً.

وبعد مناشدات عدة للمؤسسة العسكرية بالتدخل تلبية لمطالب المتظاهرين في الفترة السابقة، وهو ما رفضه رئيس الأركان قايد صالح في حينها، واصفاً الاحتجاجات بـ«المشبوهة»، برزت دعوات للجيش أمس، إلى عدم التدخل في الشأن السياسي، لعلّ أهمها أطلقتها «التنسيقية الوطنية من أجل التغيير»، وهي مجموعة سياسية جديدة يقودها نشطاء ورموز معارضة، قائلة إنه يتعين عليه «ضمان مهماته الدستورية من دون التدخل في خيارات الشعب»، في إشارة إلى أن سماحه بتقديم فريق بوتفليقة أوراق ترشحه لولاية خامسة، الشهر الماضي، فيه خرق للدستور.

مبادرات جديدة
ولا يرفض المتظاهرون «التمديد للرابعة» فحسب، بل سائر الخطوات التي تأتي ضمن «خريطة الطريق»، إذ رفضوا تشكيل حكومة جديدة يرأسها نور الدين بدوي، الذي كان يشغل منصب وزير الداخلية حتى الثلاثاء الماضي، ويُعد بالنسبة إلى الشباب أحد الوجوه الثلاثة «القديمة»، إلى جانب نائبه ووزير الخارجية رمطان لعمامرة، الذي يؤخذ عليه قبوله قبل أسبوع من بدء الاحتجاجات تولي منصب مستشار بوتفليقة، فيما يبرز إلى جانبهما (الثالث) وزير الخارجية الأسبق والديبلوماسي المخضرم الأخضر الإبراهيمي، الذي يتهمه معارضون بأنه أدى دور «شاهد زور» على صحة بوتفليقة.
وفيما يحاجج «وجوه النظام» بأن «المطالبة برحيل الجميع سهلة، لكن تطبيقها صعب، لأن الجزائر بحاجة إلى رجال يبقون على الاستقرار والأمن»، كما قال الإبراهيمي أمس، ويعيب آخرون على المعارضة عدم مبادرتها إلى طرح حلول واكتفاءها بالتشكيك في أهداف «الندوة الوطنية»، بدأت مجموعات معارضة بإطلاق مبادرات أمس، كمبادرة «التكتل من أجل الجمهورية الجديدة»، التي أطلقتها خمسة أحزاب معارضة، أكدت من خلالها تمسكها بضرورة «استمرار المسار الانتخابي» في موعده الشهر المقبل، ودعت إلى «حل البرلمان بغرفتَيه، واستخلافه بمجلس تأسيسي يشرف على تسيير الفترة الانتقالية، وتوكل إليه مهمة صياغة الدستور الجديد، وإعداد قانون الانتخابات، وقانون المفوضية العليا لتنظيم الانتخابات ومراقبتها».

يحاجج «وجوه النظام» بأن المطالبة بالتغيير الجذري سهلة، لكن تطبيقه صعب


هذه المبادرات تستهدف، على ما يبدو، رسم خريطة طريق بعيدة عن تدخل الجيش، الذي أرسى دعائم الدولة الجزائرية الحديثة بعد الاستقلال، لا لأن المؤسسة العسكرية تشكل جزءاً أساسياً من تركيبة النظام، الذي يطالب طيف واسع من المعارضة بإسقاطه فحسب، بل خشية من أن يكون تدخله على غرار التدخلات السابقة التي أعادت إنتاج النظام. ففي عام 1962، قاد وزير الدفاع، الجنرال هواري بومدين، انقلاباً عسكرياً على الحكومة المؤقتة المنتخبة، وعيّن حليفه أحمد بن بلة رئيساً للبلاد. وبعدما استمر بن بلة رئيساً حتى وفاته أواخر عام 1978، خلفه ابن المؤسسة العسكرية، وزير الدفاع الشاذلي بن جديد، الذي ظلّ بدوره في منصبه 14 عاماً (حتى 1992)، حين أجبره قادة الجيش على الاستقالة بسبب نيته التعايش مع الإسلاميين لو شكلوا الأغلبية البرلمانية.
ومع بدء حرب الجيش والإسلاميين، في ما عرف بـ«العشرية السوداء»، استدعى الجيش، محمد بوضياف، أحد أبرز وجوه ثورة التحرير، من منفاه في المغرب، ليتولى الرئاسة، لكن سرعان ما اغتيل على يد أحد حراسه في العام نفسه، وخلفه الرئيس علي كافي الذي تولى الرئاسة حتى عام 1994، حين عاد الجيش إلى الحكم مباشرةً، بصعود وزير الدفاع، إليمين زروال، إلى سدة الحكم، فاستمر حتى عام 1998، حين دعا إلى انتخابات مبكرة إثر خلاف دبّ بينه وبين جناح من قادة الجيش، بسبب الرؤية الخاصة للتعامل مع المعارضين الإسلاميين. وإثر ذلك، دعمت المؤسسة العسكرية عبد العزيز بوتفليقة في انتخابات 1999، ليستمر رئيساً للجزائر حتى اليوم.
لكن من محاسن عدم تدخل الجيش، الذي يؤكد مراقبون أن قادته ليسوا على قلب رجل واحد، في المرحلة الحساسة هذه، تفادي صراع عميق بين جناحين. ومن غير المستبعد، إذا ما مضى قايد صالح في دعم مطالب التغيير، أن يرفض باقي قادة الجيش خياره، ما يفتح الباب أمام صراع بين جناحين بدأ بالتبلور بعد خلافات حول ترشح بوتفليقة لولاية رابعة عام 2013. حينها، برز حديث عن أن النخبة المقربة من بوتفليقة المريض، بقيادة أخيه سعيد، هي التي تقود التغييرات في الجيش، والتي طاولت بعضها العديد من قادة النواحي العسكرية الكبار، المقربين من قايد صالح. وجرت منذ تلك الفترة «حرب تغييرات» طاولت مقربين من كلا الفريقين، منها ما قادها قايد صالح (في أيار/ مايو الماضي)، ومنها ما قادها فريق سعيد بوتفليقة (آب/ أغسطس وأيلول/ سبتمبر الماضيين).