الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي تشهدها الجزائر ضد ولاية خامسة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة كانت مفاجئة للجميع. اعتقد الكثيرون أن ذكريات «العشرية السوداء» الدامية، وهي التسمية المعتمدة للصراع العنيف الذي شهدته الجزائر بين الجيش والمعارضة الإسلامية المسلحة وخلّف عشرات آلاف الضحايا، كانت كفيلة بدفع الجزائريين إلى القبول بالأمر الواقع حفاظاً على الأمن والاستقرار. ولا شك في أن الحروب المدمرة التي وقعت في ليبيا وسوريا منذ عام 2011 قد أسهمت هي الأخرى في تعزيز هذا الميل للقبول بالأمر الواقع، خصوصاً بعد اتضاح حجم التدخل الخارجي فيها ونتائجه الكارثية على البلدين.

لكن هذه الذكريات الأليمة والمخاوف لم تردع الجزائريين عن الخروج إلى الشوارع للتعبير عن رفضهم لـ«الحقرة»، أي الاحتقار باللغة الدارجة الجزائرية، التي تَسِم تعامل السلطة معهم عندما تُقرر هذه الأخيرة ترشيح رئيس مريض وعاجز عن ممارسة مهامه لولاية جديدة. وبمعزل عن هوية الطرف أو الأطراف التي تحاول توظيف الاحتجاج الشعبي الحالي لمصلحتها، وهي محاولات تقع باستمرار عندما تغيب الأحزاب عن المشهد، وبالتالي يفتقد الاحتجاج القيادة، فإن هذا الأخير هو بلا ريب بداية مرحلة جديدة في الحياة السياسية في البلاد، من ميزاتها دخول قطاعات شعبية بعينها إلى الحلبة السياسية، بعد أن أُخرجت منها لعقود. لقد انكسر جدار الخوف، وعاد الناس للاهتمام بالشأن العام، بعدما كانت ويلات الحرب الأهلية ومصاعب الحياة اليومية قد أبعدتها عنها. غير أن ترشيح بوتفليقة لاقى أيضاً معارضة قوية من قِبَل أجنحة أخرى في الدولة الجزائرية، وفي أوساط رجال الأعمال النافذين، انعكست بوضوح في مواقف بعض الصحف الرئيسية والمقربة منهم. يؤشر هذا الأمر إلى تزايد الانقسامات داخل السلطة، وهي انقسامات كانت قد برزت بوضوح مع إزاحة قادة أمنيين وعسكريين، كالجنرال توفيق مثلاً، احتلوا مواقع هامة ولعبوا أدواراً محورية في مراحل سابقة. قد تنجح أجنحة السلطة المختلفة في التوصل إلى توافق على صيغة تسوية في ما بينها كما نجحت في ذلك في الماضي. الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بنفسه، عندما تم انتخابه للمرة الأولى عام 1999، كان مرشح تسوية بين أجنحة السلطة. إلا أن على هذه الأجنحة أن تأخذ في الحسبان عودة الشعب مجدداً إلى حلبة السياسة، وبالتالي أن تحرص على أن تلبي صيغة التسوية المحتملة قدراً معقولاً من طموحاته وتطلعاته.