يظن كثيرون أن المتن الشمالي منطقة سياحية. وإن كانت طبيعته خلابة فعلاً، لكنه ليس مقصداً سياحياً للجميع. المطاعم والفنادق الفخمة تجذب الميسورين، أما أصحاب المداخيل المحدودة فلا مكان لهم سوى بعض «البقع المجانية». نتحدث هنا عن «مارينا ضبية». الشاطئ الذي يجذب الناس، الشبان منهم خصوصاً. تتفاوت المشاهد هناك. فإذا قصدته نهاراً، تجد العائلات تتنزه.


أطفال يمرحون على دراجاتهم الهوائية، رجال ونساء يمارسون الرياضة، وآخرون يتدربون على القيادة. يبدو مكاناً لطيفاً وعائلياً، محبباً بالنسبة إلى «أبناء المنطقة». الكورنيش وديع في النهار، لكن ثمة من يخافه ليلاً. عند غروب الشمس، يتحول المكان الى شارع مظلم ومخيف. يتجمع هناك الشباب الذين لا يملكون أثمان الأرصفة الأخرى. الكورنيش الذي لا يبعد كثيراً عن الأوتوستراد، والذي يمتد على ثلاثة كيلومترات، يجمع شباباً من كل لبنان، ومن مختلف الجنسيات. في المساء، يكثر عدد الشباب ويتضاءل عدد الصبايا. يفضل شماليّون وجنوبيّون القدوم الى البقعة المتنية لأن أحداً لا يعرفهم، ويمكنهم أن يكونوا أحراراً في المتن. ورغم تحريض المحافظين على «طيش» المراهقين، فإن هذه نقطة لصالح «المارينا» لا ضدّها. الحريّة التي توفرها، ومساحة الالتقاء بين مجموعة عابرين وأحياناً مهمشين.
تفترش كل مجموعة بقعتها مع «عدة» يحضرونها معم. كراسي وأكياس نايلون ومنهم من يستعين بالحافة. يهرب هؤلاء من الملاهي الليلية الباهظة التكاليف، ويبتكرون الملاهي كلٌ في سيارته. تشرع أبواب السيارت ليعلو منها صخب الموسيقى الرخيصة، فيما يجلس بعض الشباب ويلقون بعض النكات لتعلو ضحكاتهم على الملء.
فتيات يتمايلن على صوت الموسيقى برفقة أصدقائهن، منهن من يفضل الرقص على الحافة المرتفعة عن الرصيف. ثمة مظاهر احتفالية تبعث على المرح، لكن لا تحلو السهرة للبعض من دون «التشفيط» على أطراف المارينا. يقف «الجمهور» على جانبي الكورنيش متحمساً ومصفقاً لأبطال الهامش. بعد «تخميس» السيارة، ترتسم على وجه السائق ابتسامة تظهر نشوة الانتصار، والى جانبه حبيبته تهنئه، كما لو أننا في فيلم «تو فاست تو فيوريوس» الشهير.
المارينا «مرتع» العشاق. ينفر المحافظون من رواده، إذ إن «الممنوعات» قليلة هنا، ما يجعل المكان متنفساً للمتحابين. المحرمات بالنسبة للمجتمع هي مشاعر بالنسبة لهم، وها هم يصرفونها على ضفاف المارينا. مع بدء غروب الشمس، تختفي العائلات تدريجاً وتبدأ نوبة الآخرين، الذين لديهم مشاغل «غير عائلية». أحياناً، تمر دوريات لقوى الأمن الداخلي. زيارات قليلة وسريعة لا تغطي الكورنيش كاملاً. يسمّونها «كبسات». وحين يصلون يجدون نوافذ مفتوحة في سيارات رياضية غالباً، وتمحى علامات اي عمل «مشبوه». في أية حال، المكان مهمل من قبل الدولة كرواده. حتى الذين يملكونه شوّهوا حيطانه بالشعارات. منها السياسي، ومنها الديني، ومنها جمل تتداول بين «شلل» لن يعرف سواهم معناها. سترى هناك الشعار الشهير: «حرية، سيادة، استقلال». وستردده على ذات النحو الذي حفظته ربما. لكن هنا يعبر عن حال الوافدين الاجتماعية لا السياسية. في الجهة الأخرى للحائط، أي صوب البحر، صخور تناثرت حولها آثار الزوار وسهراتهم. علب وأكياس وأوراق، فقدت ألوانها بسبب المكوث طويلاً تحت الشمس.
ويمكن أن يفاجأ زائر المارينا برجال في العقد الرابع يتصرفون كالشباب الأصغر سناً. منهم من يهرول وحيداً أو مع صديقته أو زوجته، ومنهم من يلقي صنارته في البحر الأليف. وقد تصادف أول الكورنيش صبايا محافظات تقريباً، يأتين من أجل البحر وحسب. وثمة عابر يومي، أسمر وصغير، يبيع الورود للمتنزهين نهاراً والساهرين ليلاً. هؤلاء الذين يفضلون هذه البقعة لأنها مجانية، ولم يسطُ عليها أصحاب المشاريع السياحية بعد. و«الدولة»، ممثلة بقوى الأمن الداخلي، تلاحق هؤلاء الشباب بين الحين والآخر. تطارد أرصفة المارينا، إذ إنها غير قادرة على مطاردة المعتدين الأصليين على الأملاك البحريّة!