القاهرة | يكتفي الكثير من متابعي الرقص الشرقي في وقتنا هذا بتقييم الراقصة وفق قدراتها على الحركة المرنة والإغراء. ومن خلال هذا المعيار، يقيّمون إحداهن كراقصة جيدة والأخرى سيئة أو دون المستوى.

أخيراً، بدأت فضائيات للرقص الشرقي تعرض عدداً لا نهائي من وصلات الرقص لعدد لا نهائي من الراقصات اللواتي قد لا نجد بينهن راقصة عربية واحدة تعلم معنى كلمات الأغنية التي ترقص على موسيقاها، أو حتى تستطيع تذوق الجملة الموسيقية التي تقوم بالرقص والتمايل معها. وبزيارة سريعة للفنادق والملاهي الشهيرة في مصر، نادراً ما نجد راقصة عربية تعمل في أحدها.

من هنا يبدأ السؤال عن معيار اختيار الراقصة أو تصنيفها، هل المعيار هو ملامح وجهها؟ أم تناسق جسدها أم لياقتها التي تؤهلها للعمل مدة طويلة ووصلات متتالية؟ أم قدرتها على تقديم حركات مثيرة ومغرية؟
الإجابة هنا تكمن في النظر إلى الخلف قليلاً ومراجعة نماذج من الرقص الشرقي لم تتخطاها إحداهن حتى يومنا هذا.
ولدت بدوية محمد كريم السيد في 22 شباط (فبراير) 1919 في محافظة الإسماعيلية، تلك المدينة الهادئة التي تجمع بين الطبيعة الريفية والساحلية. وبغض النظر عن ظروف المجتمع آنذاك خاصة الدائرة التي نشأت فيها، أو الرجعية التي اتسمت بها العائلة وقتها، بدأت في تعليم نفسها فنون الرقص الشرقي بشكل تلقائي لتمارسه في دائرة الصديقات والمناسبات العائلية لها ولجيرانها وصديقاتها حيث كان يتم الفصل بين النساء والرجال في تلك المناسبات.
وحينما شاهدتها الراقصة محاسن محمد عن طريق الصدفة، انبهرت بقدرتها الفطرية على أداء الحركات تلك بكل هذه البساطة والمرونة والخفة، ما أهلها لأن تحوز إعجابها بشكل سريع لتقدمها لبديعة مصابني. لم تتردد الأخيرة في ضمّها إلى فرقتها المسرحية التي انبثقت عن فرقة الريحاني المسرحية. ومن هنا كان منفذ بدوية إلى عالم المسرح والأفلام السينمائية. قدّمتها بديعة مصابني باسم "تحيّة"، ثم أضيف لقب "كاريوكا" إلى اسمها بعدما تعلّمت رقصة الكاريوكا المكسيكية وقدّمتها بالهرمونيا الشرقية ليجد الجماهير أنفسهم أمام ظاهرة فنيّة ومدرسة في الرقص الشرقي تسمى "تحيّة كاريوكا".
مع نشأة الحركة الشيوعية في مصر وجدت تحية نفسها تتقرب بشكل تلقائي نحو المهمّشين والفقراء داخل تلك التنظيمات. فقد كان لها نشاطها السياسي من خلال الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني "حدتو" التي تأسست عام 1944، ثم تم اعتقالها أكثر من مرة بسبب نشاطها هذا، ولم يثنها الاعتقال عن العودة إلى العمل السياسي مرة بعد الأخرى.
قررت كاريوكا اعتزال الرقص الشرقي كمهنة في خمسينات القرن الماضي والتفرغ للتمثيل وتطوير قدراتها لتصبح أحد أشهر الوجوه السينمائية المصرية بعدها.
كما ولدت زينب خليل محفوظ في مدينة بني سويف في صعيد مصر عام 1924 وجاءت إلى القاهرة سريعاً لتنضم إلى فرقة السيدة بديعة مصابني ومن ثم أطلق عليها اسم "سامية جمال" ليصبح اسمها الفنّي في ما بعد في المسرح والسينما وملاهي الرقص.
بدأت سامية جمال في التعرف على فنون الرقص الغربي وأجادتها بشكل كبير لتمزجها بالرقص الشرقي. جاءت النتيجة برقصات أقرب لامرأة ارستقراطية تريد أن ترقص رقصة شرقية من دون أن تشبه الراقصة الشرقية الشعبية. ومن هنا جاء الشكل شبه المتضاد بين مدرستي تحية وسامية، فكاريوكا كانت تغلب عليها ميولها الفكرية في صنع قالب شرقي كامل للرقص كرقص القرية وصهر أي خبرة استعراضية أخرى داخل هذا القالب، بينما كانت سامية جمال تعمل على المزج الثنائي بين الفنّين على حد سواء لتجميل الرقصة كما تراها. ومن هنا نشأت لدينا مدرستان استعراضيتان استحوذ عليهما الوجه السينمائي الذي كان حلم فتيات هذا الزمن، وهو الفنان رشدي أباظة، الذي تزوج من كلتيهما في أوقات متفرقة.
بالطبع من خلال السيرتين، ليس المعيار في تشابه الفنانتين الخروج من فرقة بديعة مصابني ولا حتى في الزواج من رشدي أباطة. المعيار هنا أنّ الاستعراض والرقص الشرقي شأنه شأن كل شكل من أشكال الفن، معيار تقييمه هو تقديم الجديد، الابتكار، خلق مدرسة، الافادة من التجارب السابقة، ووجود الفكرة والأسلوب اللذين لم يسبق تقديمهما من قبل.