سؤال واحد طرحته «الأخبار» على غالبية شركات الإنتاج التي تصوّر مسلسلاتها في بيروت لموسم رمضان 2021: كيف هي تحضيرات المشاريع الدرامية، ومدى تأثير فرض الإغلاق الشامل إثر انتشار فيروس كورونا على سير التصوير؟ سؤال كشف حجم التخبّط والضياع الذي يعيشه صنّاع الدراما الذين لطالما خصّصوا للموسم الرمضاني موازنة لافتة. فقد أجمعت الشركات على المطبّات التي وقعت فيها على إثر قرار المجلس الأعلى للدفاع بإغلاق البلاد، ومنع استثناءات التصوير. عايشت الشركات هذه التجربة العام الماضي في التوقيت نفسه تقريباً (مع فارق شهر تقريباً). فقد تلقّت الإنتاجات الدرامية لرمضان 2020 ضربة موجعة، بعد قرار إغلاق البلد بشكل نهائي منعاً لتفشي الفيروس.

دانييلا رحمة في شخصية «ريم» من مسلسل «للموت»

والنتيجة كانت تقديم مسلسلات ذات حلقات قصيرة (15 حلقة)، فيما خرجت مسلسلات أخرى من السباق الرمضاني بشكل كلي، قبل أن تعرض على المنصات المعروفة أو الشاشات الصغيرة خارج السباق في موسمَي الصيف والخريف الماضيين. يمكن ذكر هنا مسلسل «الهيبة 4» (ورشة كتاب وإخراج سامر البرقاوي وإنتاج «صبّاح إخوان» mtv-mbc). هذا العام، قلّصت شركات الإنتاج مسلسلاتها لرمضان 2021 بعد تراجع السوق الإنتاجي والمادي لدى القنوات بسبب ضعف الإعلانات، إضافة إلى أزمة كورونا التي حوّلت الأنظار إلى منصات الستريمينغ المعروفة على غرار «شاهد» و«نتفليكس» اللتين استغلّتا الأزمة وعرضتا مشاريع تعرقل حضورها على الشاشة الصغيرة. هكذا، جاءت الأزمة الصحية والاقتصادية لتخلط الأوراق وتوسّع السباق خارج شهر رمضان، لتكون المنصات ربما أحد المستفيدين من الظروف الجديدة التي فرضها كورونا.
لكن كيف ستكون خريطة رمضان 2021 بالنسبة إلى المسلسلات المشتركة التي تُصوَّر في لبنان؟ وما هي حال الدراما اللبنانية؟ هل يهدّد الإغلاق الشامل، الخريطة الدرامية ككل، بخاصة أن رمضان يحلّ هذا العام في منتصف شهر نيسان (أبريل) المقبل، وسط تسابق الشركات مع الوقت لإنجاز أعمالها؟
جمال سنان مدير شركة «إيغل فيلمز»، يتحدث عن التغييرات التي ضربت السوق الدرامي في رمضان الماضي، وتأثيرها على شهر الصوم المنتظر. يلفت المنتج لـ «الأخبار» إلى أنّ وهج المسلسلات سيخفّ في رمضان، بسبب التعديلات والتطورات التي أدخلت المنصات إلى السوق كمنافس قويّ للشاشات. يكشف أنّه لموسم رمضان 2021، تكتفي شركة «إيغل فيلمز» بمسلسل مشترك واحد يتمّ تصويره في بيروت تحت عنوان «للموت» (كتابة نادين جابر وإخراج فيليب أسمر) وبطولة ماغي بو غصن ودانييلا رحمة، والنجوم السوريين محمد الأحمد وخالد القيش وصباح الجزائري. في المقابل، يوضح: «أصوّر قرابة ستة مسلسلات لرمضان وخارجه موزّعة بين البحرين والسعودية والكويت وغيرها من دول الخليج. أما في لبنان، وبسبب الاستهتار من جميع الأطراف وانتشار كورونا، فقد لا تستحوذ شركات الإنتاج على استثناءات للتصوير. لذلك قرّرت الاكتفاء بعمل واحد هو «للموت» للموسم المنتظر والتركيز على بقية الدول التي يتواصل فيها التصوير بشكل عادي». ويكشف سنان عن بحث شركات الإنتاج التي تصور في لبنان، عن حلول لاستكمال تصوير مشاريعها في بيروت، قائلاً: «تقوم الشركات بمتابعة أوضاع الممثلين المصابين بكورونا، إضافة إلى إجراء فحوصات pcr بشكل دائم، ويتم التنسيق بين وزارة الداخلية والمجلس الأعلى للدفاع للحصول على استثناءات للتصوير. نعيش كل يوم بيومه، يفترض أن نحصل على تصاريح لاستكمال تصوير المسلسلات في الفترة المقبلة. سننتظر ونرى المشهد».
قلّصت شركات الإنتاج عدد مسلسلاتها وخرج الجزء الجديد من «الهيبة» من السباق

ويتابع: «في بيروت، أصوّر مسلسلاً لرمضان، وعملين آخرين للمنصات المعروفة، الأول هو «قارئة الفنجان» (ﺇﺧﺮاﺝ محمد جمعة وﺗﺄﻟﻴﻒ هاني سرحان) الذي أشارف على الانتهاء منه ويجمع نجوماً عرباً ولبنانيين. أما الثاني، فهو «أمنيزيا» (للكاتبة الجزائرية حنين عمر، إخراج رودني حداد) ويجمع ممثلين عرباً ولبنانيين ومن بينهم فاطمة الصفي، وحمد أشكناني».
على الضفة نفسها، قرّر إياد الخزوز صاحب شركة i see media عدم تصوير مشاريعه الرمضانية في بيروت كما حصل في رمضان الماضي. هكذا، اكتفى المنتج بتصوير غالبية مشاهد مسلسله «نسونجي بالحلال» (فكرة المخرج السوري أسامة الحمد، تأليف زهير قنوع وإخراج نبيل لبُّس) في بيروت، على أن تنتقل الكاميرا إلى أبو ظبي. فخلال العام الماضي، تعرّضت الشركة التي أنتجت مسلسلَي «الساحر» لعابد فهد و«النحات» لباسل خياط، لانتكاسة بعد إغلاق لبنان ومنع التصوير، فخرج العملان بحلقات قصيرة لم تتخطّ الـ 18 حلقة. كما لعبت الأزمة الاقتصادية في لبنان دوراً في تجميد أنشطة المنتج الأردني في بيروت.
أما بالنسبة إلى شركة «صبّاح إخوان»، فإن الخريطة الرمضانية تبدو أكثر وضوحاً، إذ تم تقليص أعداد المسلسلات التي تُصوّر في رمضان منعاً لأي مشاكل قد تتعرض لها بسبب قرار الإغلاق. كذلك، بدا واضحاً تركيز الشركة على المشاريع التي تعرضها المنصات المعروفة، وتحديداً «شاهد» التي باتت واجهة تبث الدراما طيلة العام. إذاً هذه السنة، قلّص الصبّاح مشاركته الرمضانية إلى أكثر من ثلثَي المسلسلات التي كان ينتجها سابقاً، وباتت مشاركته في رمضان تقتصر على عملين أو أكثر بقليل. في هذا السياق، يلفت صادق الصباح رئيس مجلس إدارة «صبّاح إخوان» في حديث سريع لـ «الأخبار» إلى أنّه سيعرض مسلسل «20 20» (كتابة نادين جابر وبلال شحادات وإخراج فيليب أسمر) الذي يجمع نادين نجيم وقصي خولي. المسلسل كان قد تأجّل من رمضان 2020 إلى شهر رمضان المنتظر. ويكشف الصبّاح أنه لن يعرض الجزء الخامس من «الهيبة» في شهر الصوم، بل سيبثه خارج السباق كما حصل مع الموسم الرابع من العمل الذي يجمع تيم حسن ومنى واصف وعبده شاهين وأويس مخللاتي. ويوضح أنّ تصوير «الهيبة» سينطلق في 15 شباط (فبراير) المقبل، لافتاً إلى أنه ينتظر استثناءات التصوير لينطلق بعملين مصريين يُصوّران في بيروت: الأول «ملوك الجدعنة» (بطولة رانيا يوسف ومصطفى شعبان ورانيا سعد ودلال عبدالعزيز)، والثاني «لحم غزال» (بطولة غادة عبدالرازق وشريف سلامة).
من جانبه، يعود مفيد الرفاعي إلى الإنتاجات المشتركة بعد غياب عامين تقريباً. فقد أعلن صاحب شركة Media Revolution 7 عن تقديمه مسلسلاً مشتركاً وحيداً يحمل اسم «ظل» (إخراج التونسي محمد الخياري، فكرة سيف رضى حامد، حوار زهير رامي الملا). وكانت الكاميرات قد انطلقت أخيراً في بيروت، لتصوير العمل الذي يدور في إطار الأكشن والإثارة ويجمع على قائمة أبطاله كلاً من باسل خياط وغسان مسعود وهيا مرعشلي ويوسف الخال وغيرهم. ولكن سرعان ما توقّفت مع قرار الإغلاق الشامل. يقول الرفاعي لنا: «صوّرت قرابة تسعة أيام في بيروت، وكان من المتوقع أن يُسكتمل جزء صغير في أبو ظبي، لكن الإغلاق كان ضربة موجعة. يعاني القطاع الإنتاجي من مشاكل كبيرة، فنحن من القطاعات القليلة التي تُدخل المال إلى لبنان في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية. لدينا مئات الموظفين في عهدتنا، زرعنا التعب طيلة سنوات، ونحصد حالياً الكوارث من مختلف النواحي». يتابع: «نتواصل مع المعنيين لتسهيل التصوير، مع العلم أننا قطاع يلتزم بالمعايير الصحية (التعقيم، والفحوصات، والحرارة...) منعاً لتفشي كورونا. نحن حالياً نضع يدنا على خدّنا وننتظر. كيف للدولة أن تسمح بافتتاح المطاعم والملاهي الليلية في عيدَي الميلاد ورأس السنة، وتغلق التصوير الذي يلتزم بالالتزامات الطبية؟».


لا يبدو أن العقبات التي تعترض تصوير المسلسلات المشتركة، تختلف عما تواجهه الأعمال اللبنانية التي خُصصت لها موازنة متواضعة. رغم انطلاق تحضيره لمسلسلين سيبصران النور في رمضان 2021، إلا أن المنتج والمخرج إيلي معلوف ينشغل حالياً بالانتهاء من تصوير «رصيف الغربا» (كتابة طوني شمعون وإخراج إيلي معلوف) الذي تعرضه lbci. إذ يتابع تصوير العمل الدرامي الذي تبدأ أحداثه من عام 1945 من القرن الماضي، لأن حلقاته طويلة ولا يزال التصوير قائماً. في المقابل، يوضح معلوف لنا بأنه يستعدّ لتصوير مسلسلين لبنانيين لرمضان، الأول هو «الزمن الضائع» الذي سيُعرض على قناة «الجديد» (كتابة غابي مرعب وإخراج ماريانا صقر ـ بطولة جو صادر، أسعد رشدان، جوي هاني، فادي إبراهيم وغيرهم)، والثاني هو «أسماء من الماضي» (كتابة زينة عبدالرزاق وإخراج إيلي معلوف) الذي سيُعرض في رمضان على Lbci. ويختصر معلوف المشهد حالياً في ظل تحضيرات الشركات للموسم الرمضاني والإغلاق الشامل، قائلاً: «لا أحد واثق من حضوره درامياً في شهر رمضان. الرؤية مشوّشة بسبب الإغلاق الشامل».
صحيح أن كاميرات المسلسل اللبناني «الحي الشعبي» (كتابة فيفيان أنطونيوس وإخراج جورج روكز-بطولة محمد قيس وماريتا الحلاني ـ إنتاج شركة «مروى غروب» لصاحبها مروان حداد)، قد دارت أخيراً، إلا أن حداد يشبّه الوضع اليوم بأنه سباق مع الوقت. ويلفت حداد إلى أن «الوقت لم يداهمنا بعد، ولا يزال أمامنا بعض الوقت لتحضير مشاريع رمضان ويمكننا العودة للتصوير أوائل شهر شباط (فبراير) المقبل، ونستمرّ حتى منتصف شهر رمضان. لكن الأمر ليس مؤكداً، فهو منوط بمسألة السماح لشركات الإنتاج بتصوير أعمالها في ظلّ تجديد قرار الإغلاق. هنا قد نقع في أزمة تشبه أزمة العام الماضي، وقد يخرج من السباق الكثير من المسلسلات لضيق الوقت». للمرة الأولى، تخوض شركة «فالكون فيلمز» التي يديرها رائد سنان، أول إنتاجاتها الدرامية والرمضانية. فقد أعلنت عن تقديمها مسلسل «داون تاون» (فكرة كلود أبو حيدر وسيناريو محمود إدريس وإخراج زهير قنوع)، الذي يجمع على قائمة أبطاله ممثلين سوريين ولبنانيين، من بينهم: عبد المنعم عمايري، سامر إسماعيل، ستيفاني صليبا، محمد عقيل، سارة أبي كنعان، جنيد زين الدين، كارمن لبس.
في المحصلة، يبدو أنّ التخبّط الذي عاشته شركات الإنتاج العام الماضي، مستمرّ هذا الموسم أيضاً. تطورات وتغيرات وظروف استثنائية بدّلت ملامح الخريطة الرمضانية، حتى صار شهر الصوم في آخر سلّم أولويات شركات الإنتاج، التي اتجهت أنظارها ـ كما الكوكب برمّته ــ إلى الفضاء الافتراضي ومنصّات الستيريمنغ.