بدافع من فائض المحتوى الأصلي وفي سبيل العثور على وسيلة للتفرّد، ابتعد العديد من صنّاع المسلسلات عن القصص الواقعية، وراحوا بتبنون خلال العقد الماضي مشاريع تدور في فلك الفانتازيا والخيال العلمي والأبطال الخارقين والميلودراما.

واليوم، يبدو أنّ مجموعة من منصات البثّ التدفّقي والمشاهدة عند الطلب (VOD)، من بينها HBO و«نتفليكس» و«أمازون»، تحاول التغيير من دون أن تكون كلّ الخيارات موفقة تماماً.
لقد أفسحت أعمال درامية عاطفية مثل Six Feet Under وFriday Night Lights الطريق أمام This Is Us، فيما أنجز صنّاع The Good Wife مسلسل Evil. أما الشخصيات الأكثر أصالة وحيوية في السنوات القليلة الماضية، فظهرت في الغالب في المسلسلات التي لا تزيد مدّة كلّ من حلقاتها على النصف ساعة، منها: Fleabag، وEnlightened، وBoJack Horseman، وBetter Things...
في هذه المرحلة، أي دراما تصل مدتها إلى ساعة وتتخلى عن الملكية الفكرية والمؤثرات الخاصة باهظة الثمن لصالح الواقعية النفسية، تمثّل تغييراً مرحّباً به. وعمل متقن على شاكلة The Queen’s Gambit (مناورة الملكة) يُعدّ نادراً للغاية بالفعل. المسلسل القصير المؤلّف من سبع حلقات (مدّة كلّ منها ساعة تقريباً)، يستند إلى رواية بالعنوان نفسه للكاتب الأميركي والتر تيفيس صادرة في عام 1983، ويندرج ضمن إنتاجات منصة «نتفليكس» الأصلية، حيث وجد طريقه إلى العرض في 23 تشرين الأوّل (أكتوبر) الحالي.
هناك من يعتقد بأنّ الشطرنج ليس موضوعاً جذاباً على الشاشة. غير أنّ هذه اللعبة لطالما سحرت السينما منذ العصر الصامت، حيث تسلّلت إلى أفلام الإثارة والرومانسية والكوميديا ​​والأكشن والوثائقيات والرسوم المتحركة والأشرطة المستندة إلى الأدب الراقي. ومن بين هذه الإنتاجات نذكر مثلاً The Seventh Seal لإنغمار برغمان الصادر في عام 1957، وGeri’s Game (إخراج جان بينكافا ــ استديوات بيكسار ــ 1998). أما على الشاشة الصغيرة، فظهر الشطرنج مثلاً في «كولومبو» و«ستار تريك» وحتى Friends.
أوّلاً وقبل أي شيء، يُعتبر The Queen’s Gambit دراسة شخصية ضمن دراما ساحرة وغاية في الجاذبية. صحيح أنّ البطلة، وهي معجزة الشطرنج اليتيمة «بيث هارمون» (تجسّدها في صغرها إيسلا جونستون، ولاحقاً تؤديها بشكل لافت الأميركيةــ البريطانية ــ الأرجنتينية أنيا تايلور جوي/ 24 عاماً)، ليست الفتاة النموذجية في منتصف القرن العشرين، غير أنّ قصّتها هي في الأساس قصة عن بلوغ سن الرشد، تطرح أسئلة عمّا ينتظر شخصاً وحيداً ومتألّقاً نضج قبل أوانه في دنيا البالغين. مصدر التشويق في هذا العمل لا يتعلّق بما إذا كانت الشخصية الرئيسية ستصبح بطلة العالم في الشطرنج حين تكبر، بقدر ما يرتبط بما إذا كانت ستكبر لتكون مستقرة وسعيدة إلى حدّ ما.
في نهاية خمسينيات القرن الماضي، وبعد نجاتها من حادث سير حصد حياة والدتها، تنتقل «بيث هارمون» للعيش في دار أيتام في كنتاكي. هناك، وبدلاً من الحصول على فرصة للتحدّث عن مشاكل النمو بدون عائلة، تتم معالجة الصدمات بواسطة كبسولات مهدئة. تصبح «جولين» (الوافدة الجديدة حادة الطباع التي تلعب دورها موسيس إنغرام)، وهي فتاة لطيفة ومرنة لم تحظَ بأيّ فرصة للتبنّي ربّما لأنّها من أصول أفريقية، بمثابة أخت كبرى لـ «بيث» الصامتة، وتنصحها بالاحتفاظ بالحبوب الخضراء الممتعة لوقت النوم.
في دار الأيتام، تتعرّف «بيث» إلى البوّاب الغاضب «السيّد شايبل» (الرائع بيل كامب) الذي تتعلّم منه أصول الشطرنج، قبل أن تصبح مهووسة بهذه الرياضة. منتشيةً بفعل الأدوية التي تخزّنها، تتصوّر البطلة ألواح الشطرنج على سقف مهجعها وتمضي ساعات من اللعب في مباريات وهمية. لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى تبدأ في التغلب على أستاذها، ثم رئيس نادي الشطرنج، فنجم فريق المدرسة الثانوية المحلّي. وبحلول الوقت الذي يتبناها فيه ثنائي من إحدى ضواحي ليكسينغتون، بعد خمس سنوات من وجودها في دار الأيتام، تدرك «بيث هارمون» أنّ الشطرنج هو مصيرها. في منزلها الجديد، تفقد المراهقة شعور الانتماء. فكل شيء في هذا المكان لا يشبهها، وعلى رأسها الزخارف الأنثوية التقليدية. ومع الوقت، تتحوّل «بيث» من صبية يافعة تهزم الرجال بسهولة محلياً، لتصبح نجمة عالمية.
من الواضح أنّ الكاتب والمخرج سكوت فرانك (صاحب Goldess) يستخدم تفاعلات البطلة لاستخراج شوق هذه الفتاة الغريبة غير المعترف بها للتواصل. فهي تجد في عازفة البيانو التي فضلت الزواج على المهنة، أمّها بالتبنّي ألما ويتلي (مارييل هيلر)، صديقة: امرأة تبحث عن الإثارة، وكثيراً ما تجدها في قاع كأس كحول أو زجاجة حبوب مهدئة. يمكن بسهولة تصوير شراكتهما على أنّها استغلال متبادل، مع استفادة القاصر من قلق ألما لمواصلة المشاركة في البطولات، في مقابل استخدام الأم للطفلة للحصول على جوائز مالية وأعذار لمغادرة غرفة معيشتها القبيحة. على الرغم من أنّ الأمور تبدأ بهذه الطريقة، إلا أنّها تتطوّر لاحقاً لرابطة عائلية رقيقة.

يكتسب المسلسل نقطة قوّة أساسية مصدرها الدقة في تصوير الشطرنج


لا يقع فرانك في فخّ تصوير «بيث» وكأنّها «ليست مثل الأخريات» أو أنّ بُعدها عن الأعراف الجنسانية هو ما يجعلها واضحة ومليئة بالثقة وغير عادية. فهي في The Queen’s Gambit تحب الأزياء مثلاً، فيما يركّز صانع العمل الدرامي على صداقاتها مع نساء أخريات وعلاقتها بالرجال أيضاً.
إلى جانب قوّة أداء الممثلين والصورة المدهشة، يكتسب المسلسل نقطة قوّة أساسية مصدرها الدقة في تصوير الشطرنج، وفق ما أكد البطل الروسي غاري كاسباروف (عمل كمستشار لصنّاع العمل) في حديث لصحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية. فضلاً عن أنّه أمين إلى حدّ بعيد للكتاب الأصلي الذي يحمل توقيع والتر تيفيس، الروائي الذي استلهمت هوليوود عدداً كبيراً من أعماله: The Hustler، وThe Color of Money، وThe Man Who Fell to Earth وغيرها.
على الرغم من أنّه يحاول بلوغ ذروة التفسير لكيف يمكن للمرء، على الخط الرفيع بين العبقرية والجنون، أن يقفز فوق عوامل التخريب الذاتية، سواءً كان يأمل في التغلب على شياطينه الداخلية و/ أو الكيميائية، غير أنّ The Queen’s Gambit هو غالباً فانتازيا تحقيق الرغبة والانتقال من الفقر المدقع إلى الثراء الفاحش! وخلافاً لما هي الحال في الشطرنج، يمكن القول إنّ المسلسل أقل بقليل من مجموع أجزائه، إلا أنّه يكفل تجربة ترفيهية ممتعة لدى المشاهدة.

* The Queen’s Gambit متوافر على «نتفليكس»

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا