القِسم الأكبر من حكاية انفجار العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت لم يعد سرّاً، لم يبقَ سوى أن يكشف التحقيق بعض التفاصيل التقنيّة التي تساعد القضاء في تحديد حجم مسؤولية كلّ مشترك في هذه المقتَلة من سياسيين وعسكريين وموظفين وغيرهم. أمّا الحكاية نفسها، فقد باتَت في متناوَل الجميع، من توجّه السفينة «روسوس» عام 2014 من ميناء باتومي في جورجيا إلى ميناء بييرا في موزمبيق، محمّلة بشحنة من مادة نيترات الأمونيوم، ومن ثم تحوّل خطّ سيرها إلى مرفأ بيروت لنقل بضائع إضافية بهدف الحصول على المزيد من المال، واحتجاز السفينة وطاقمها في بيروت (بسبب الرسوم أو الحمولة) ثم إطلاقهم تباعاً، ثم نقل الحمولة المشؤومة من السفينة إلى العنبر رقم 12 وتخزينها لفترة طويلة وبطريقة سيئة أدّت إلى انفجارها (بعد عملية تلحيم لإقفال منافذ وفتحات في العنبر أو من دونها). تهمة يحاول كل طرف التملص منها وإلقاء تبعاتها على غيره. الرواية المتداولة مقنعة ومنطقية ومترابطة، وقد تقاطعت عندها إفادات الجميع بمن فيهم قبطان السفينة نفسه، وإن تفاوت بعض التفاصيل التي لا تغيّر في واقع الأمر شيئاً، بين راوٍ وآخر، بهدف التملص من المسؤولية.


أركاديو ـــ بنما

أما «مسرحية» اتهام حزب الله بتخزين أسلحة أو مواد متفجرة في المرفأ تسبّبت في الكارثة، فقد أطلقها الإعلام السعودي منذ اللحظات الأولى في حلقة من مسلسل شيطنة الحزب الذي لا يبدو أنه سينتهي قريباً. الروائية الجزائرية فضيلة الفاروق كان لها رأي في هذا الموضوع، اختارت تمريره إلينا في حكاية طريفة. في مقالتها الأسبوعية في صحيفة «الرياض» السعودية، حول انفجار بيروت الأخير، تحكي صاحبة «مزاج مراهِقة» لقرائها حكاية «الحارس الغبي الذي كان يقف أمام بوابة سور الصين العظيم، الذي فتحها لألدّ الأعداء مقابل ثمن بخس لا يُقارن بحجم وطن»! ثم تنتقل إلى الشرح الرابط بين القصتين بأنّ «المرفأ يفرض عليك أن تكون قرصاناً لتعرف كيف تثبت وجودك فيه، وتخوض حروبه، وتخرج بغنائمك منتصراً. ولتحقيق كل ذلك، يجب أن تكون مدعوماً بسلطة المال والسلاح»!
«حكايات» فضيلة التي لا نعلم مصدرها تقول إن «مرفأ بيروت قد استولت عليه قوة سياسية مسلحة معروفة، تماماً كما أغلب المرافق التي تعتبر معابر حساسة من وإلى لبنان». وهي «تسمع» أن من «يسيطر على المرفأ والمطار والمعابر الحدودية هم حرّاس البلد»!
تتخيل فضيلة بعض القصص «اللطيفة» عن هذا الحارس: «يدخّن سيجارته في هدوء فيما يتوسّد بندقيته ويستلقي على جبل من القنابل! يمسك بيده قطعة خبز وباليد الأخرى قنبلة، فيقضم القنبلة، ويرمي العدو بقطعة الخبز! أو يشعل - بغباءٍ أشدّ - ناراً لإخافة وحوش الليل ويلقيها على أخيه النائم! ولكن غباءه لا يتوقف هنا، فطالما أخوه يحترق، سيعتقد أنه في مأمن من الوحوش!».
وهي أذكى من أن تسمّي لنا الحارس، علينا أن نستنتج وحدنا أنه «حزب الله» وليس «نمور التاميل» مثلاً، وإذا كنا نشاطرها الذكاء نفسه، سنفهم أن الحديث عن «حارس لبنان المزعوم» الذي يحرق «أخاه البيروتي النائم» في صحيفة سعودية يستبطن إشارة غير بريئة إلى هوية مذهبيَّة مفترضة للطرفين. فإذا جانَبَ الذكاء الحارس وأخاه في لحظة اضطرام كهذه، سيكون الاثنان أكثر سخاءً مع تلك النار التي لن تشبع قبل أن تأكلهما. كلّ هذا لن يهمّ الكاتبة الراضية عن كونها لمّاحةً بارعةً في الترميز، وبنجاحها في مغازلة مزاج من يستكتبها لتحافظ على زاويتها الأسبوعية بكلّ ما تحمله من «فضائل» مادية ومعنوية.
لعلَّ الحكايات التي وصلت إلى مسامع صاحبة «تاء الخجل» لم تتضمن شيئاً عن هويات الضحايا الذين توزَّعوا على كامل جغرافيا الوطن وديموغرافيته، وعن عمال المرفأ الفقراء القادمين بمعظمهم من الأطراف المهمَلة في الجنوب والبقاع والشمال، ومثلهم الإطفائيّون الاستشهاديّون، وعن حملات إيواء المنكوبين في الجنوب والبقاع والشمال التي انطلقت منذ اللحظة الأولى، ومثلها حملات التبرع بالدم في المناطق اللبنانيّة كافة، والذي فاضت الكميات المتوفرة منه في ليلة واحدة عن حاجة مستشفيات تغصّ بآلاف الجرحى. ولا تعلم فضيلة حتماً أن بيروت هي قطعة موزاييك جميلة وليست «غيتو» مغلقاً يطمعُ الأغيارُ «أخوةً وحرَّاساً» في احتلاله والسيطرة عليه كما في السردية السعودية، وأن الأمور ليست مطابقة دائماً للصورة التي تتخيّلها والتي يتمنّاها من استكتبها.
صحيح أنّ المبدعين العرب لم يستحصلوا غالباً على حقوق معنوية أو مادية تليق بهم في أوطانهم، ولكن على هؤلاء أن يعرفوا أن التورّط في السياسة بمعناها المبتذل وصولاً إلى تحريض الناس على بعضهم في لحظات بالغة الحساسية والخطورة، ليس لعبةً، وأن صورتهم البراقة التي جهدوا في رسمها سنوات طويلة تخللها جهد إبداعي كبير، هي أولى الضحايا.