لعلّ تدفّق المعلومات وتفجّرها عبر الوسائل كافة في عصر السرعة الذي نعيشه يسير بالتوازي مع ما سبق أن سمّاه جان بودريار بانبجاس المعنى عبر الميديا في كتابه «المصطنع والاصطناع». وأياً كان ما تتضمّنه عملية التدفّق السائل، سواءً كان معنىً أو معلوماتٍ أو صوراً مكثّفة قد تفوق الواقع وتخلق من نفسها واقعاً بديلاً يخفي وراءه الحقائق، فإنّ السرعة والجنون، كما يذهب البعض إلى توصيفه، هو الطابع المشترك في زمانٍ تحكمه الميديا التي باتت تحكم الإعلام والإعلان وتمارس بالغ التأثير على الرأي العام، مشكّلةً جماهيريةً قد تكون بدورها صورةً مصطنعة وفق ما يراه بورديو حين يذهب إلى أننا بلغنا مرحلةً صار معها إبراز عنف رأس المال يصبّ في خدمة رأس المال نفسه.

غير أن تدفّق الصور صاحَبَه في عصر الصورة تدفقٌ للعلم والتكنولوجيا وانفتاحٌ متعدّد الجهات على الثقافات المختلفة من خلال الكتب والمجلات والصحف والإذاعة والتلفزيون والإنترنت والأقمار الصناعية، ما جعل للجماهير دوراً كبيراً في الأحداث السياسية، الاقتصادية والاجتماعية. الدور الذي يخدم السلطة أولاً وآخراً، إذ توفّر السلطة مسبقاً أدوات توجيه الرأي العام وصناعة الجمهور وحشده بما يتوافق مع مصالح الدولة، أو بمعنى أصح، يكون مصطلح «الدهماء» الأرسطي أو «القطيع» النيتشوي أقرب إلى معناه الأكثر رقياً وحضارةً، ربما لكثافة الصور التي باتت تخفي الحقيقة في مكانٍ ما... ربما!
هذا التفاعل القائم بين متغيرَين في العصر الحديث ـــ هما وسائل الإعلام وتوجّه الجماهير ـــ فسّرته نظرية «دوامة الصمت» التي خرجت بها العالمة الألمانية إليزابيث نويل نويمان، مفسرةً سلوك الجماهير تجاه الأحداث المجتمعية. فالمجتمع المعولم حافلٌ بقدرٍ كبيرٍ من الرموز المشبعة بالمعاني الذاتية التي خلقتها وسائل الإعلام، ما أدى إلى هيمنة المصطنع واحتجاب الواقع. النتيجة عالمٌ فوق-واقعي افتراضي تكنولوجي، فقدت فيه الأشياء قيمتها التي صارت مرتبطةً بقدرتها على الغواية. معظم الأفراد سوف يتحرّكون في الاتجاه الذي تدعمه وسائل الإعلام، وتصنعُ من حوله هالةً من غوايةٍ جاذبة. إنه هكذا يتّسق الرأي العام مع الأفكار التي تدعمها هذه الوسائل. فنرى أن وسائل الإعلام الجماهيري تتخذ موقفاً مؤيّداً لقضيةٍ من القضايا ونجد أن معظم الأفراد يؤيدّون هذا الاتجاه الذي يلقى تأييد الرأي العام، فيما نرى جماعةً أخرى معارضة تلتزم الصمت تجنّباً للاضطهاد والعزلة الاجتماعية، فتحجب آراءها المعارضة لرأي وسائل الإعلام، تماماً كما يحتجبُ الواقع. والسكوت هنا علامة الرفض لا الرضى. وهو ما يُعرف بالرأي العام الكامن الذي لا يظهر إلا في بيئةٍ ديمقراطيةٍ حاضنة. فكم من مفكّرٍ نشر مؤلفاته وفكره في بيئةٍ منغلقة على آرائها رافضة لأيّ فكر آخر، من أمثال الكثير من الإصلاحيين في الدول الإسلامية على وجه الخصوص، مثل علي شريعتي، محمد إقبال اللاهوري، محمد عبده، جمال الدين الأفغاني وسواهم. ظاهرةٌ ليست بالجديدة، فنرى مثلاً أفلاطون الذي كتب أفكاره الأولى تحت اسم سقراط، الذي غدا شخصيةَ حكيمٍ فيلسوفٍ أول، بينما يُجمع الفلاسفة الحديثون على أنه اسمٌ مستعارٌ لشخصيةِ أفلاطون الافتراضية.
ربما لا يمكن لمفهوم الحرية أن يتحقّق في منطقتنا طالما أن الفرد مسلوبُ الإرادة مقولب الفكر موجّه الميول بما تريده السلطة له في مجتمعٍ تشكّله بإرادتها؛ إرادة السلطة التي صاغت شعبوياتٍ ملوّنة تارةً على مبتنى القوميات، وتارةً على أيديولوجياتٍ مختلفة. هذا التدفق في رغبة السلطة التي لا تنتهي وفق تعبير جيل دولوز، لا تزال جامحةً في تجلّيها في بلداننا العربية عموماً. ولا يمكن أن يصارَ إلى بناءِ مجتمعٍ حرٍّ وسليم طالما أن لا صوت يُسمع للمعارض ولا يعرف الرأي الآخر بل يكون مبعداً منفياً إلى قوقعته وبؤسه وقهره.
ربما لا ينتهي الصمت اللولبي أو دوامة الصمت، طالما أننا في عصر الصورة، وزيف المصطنع واختفاء الواقع، ولعلّ صناعة الرأي العام في الوسائل الجماهيرية ما هو إلا حشدٌ للصور المصطنعة والتمثيلات البعيدة عن الحقيقة، فكيف يكون للصوت المعارض الذي يرى الحقيقة في مكانٍ خفيٍّ آخر، أن يعلوَ وسط الرأي الجماهيري الزائف، وهذه الكثرة التي يؤدّي تفاقمها إلى انبجاس المعنى، ولا معنى. فالعالم انتهى بفعل التسريع افتراضياً. فقد تم تجاوز كلّ القيم والتقدّم والغايات وتجاوز النهاية إلى ما بعد النهاية، حيث إننا ذهبنا إلى أبعد مما يجب أو إلى الجانب الآخر. إنها بتعبير بودريار ارتكاسةٌ عشوائيةٌ ورجوعٌ إلى الوراء بفعل المكوث في الفراغ. فالحنين لا ينشأ إلا حين يختفي الواقع، ويعبر عن حاجة البشر إلى ماضٍ مرئيٍّ واستمراريةٍ مرئيةٍ وأسطورةٍ مرئيةٍ للأصل، ما يطمئننا حول نهاياتنا. يذكرُ بودريار أنه لا بدّ لكي تبقى الإثنولوجيا، من أن يموتَ موضوعها الأصلي، ما أطلق عليه مصطلح «البعث الوردي». ويعبّر عن أن العلم حلّ محلّ النظام الرمزي البطيء فسارع في قتل المومياء عندما نقلها إلى المتاحف، فقط ليعيد بعثها، بما اصطلح عليه بـ «عنف الحضارة» الذي لا علاج له، ما من شأنه زيادة الاصطناع، وهكذا فإننا نعيش في عالمٍ شبيهٍ بأصله إلى حدٍّ غريب.

معظم الأفراد يتحرّكون في الاتجاه الذي تدعمه وسائل الإعلام


ترتبط دوامة الصمت بظاهرة اختفاء الواقع أو بروز ما فوق-الواقع هذا، حيث يعجز المعارض عن أن يشير بسبابته إلى الواقع، فهذا الأخير غير موجود، لا يراه العامة المتمثلون بالرأي العام.
إنه شكلٌ من أشكال التعبير عن السلطة، وإرادة الهيمنة الاجتماعية السياسية الاقتصادية وحتى الثقافية، ذات التأثير الذي تمارسه ربما العادات والتقاليد في المجتمعات من خلال الفيتيش أو الصنمية الماركسية. هكذا يُصاغُ الرأي العام، في المجتمع المشهدي على قول ديبور حيث الواقع مفرغٌ من واقعيته والرمز يصنع العالم، بل هو العالم. إننا نعيش في منطق الاصطناع الذي لا علاقة له أبداً بمنطق الوقائع ونظام الأسباب. فالاصطناع يتّسم بأسبقية النموذج دائماً. هذا النموذج الذي تحدّدُه لعبة الأوهام والاستيهامات التي تمسخ كلَّ قانون في ما يسمّيه بودريار بجحيم الاصطناع.
وبعد إعادة نتاج الوعي على قاعدة ضخّ ثقافة العولمة عبر وسائط ليست سوى صورٍ ودوالّ باتت هي الواقع بدلاً من أن تكونَ رمزاً لا غير، أيُّ عالمٍ هو هذا الذي تبتلعُ فيه الصورةُ المُشاهِد بهيمنتها، فلا تدع له فرصةَ التأمل؟ وإلامَ ستؤولُ هذه الدوامة اللولبية لصمتِ الإنسان النابت الذي يعيشُ هاجس التغرُّب والاضطهاد؟ بل كيف يتقبّلُ حقيقتَهُ بعد ذلك؛ بعدما صار لا يشبهُ النموذج المعروض، والصورة السائدة؟