«إن الأميركيين يضغطون على لبنان ليس حباً بالشعب اللبناني وهم يعاقبونه ولا حرصاً على قوانينه وهم يدوسونها (..) ستكون لنا معادلة لا نكشف عنها الآن في حال استمر الأميركيون في محاولتهم لتجويع اللبنانيين، من سيضعنا بين خيار القتل بالسلاح أو الجوع سيبقى سلاحنا في أيدينا ونحن سنقتله». لعلّ هذه العبارات التي وردت في خطاب الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله، في خطابه الأخير بتاريخ 16 حزيران (يونيو)، ظلت مفاعيلها عالقة منذ أكثر من اسبوعين. واستمرت هذه المفاعيل مع قرار قاضي الأمور المستعجلة (المستقيل) في صور محمد مازح بمنع وسائل الإعلام من استصراح السفيرة الأميركية دورثي شيّا لمدة عام، على خلفية تقديم إحدى المواطنات اللبنانيات شكوى إلى القاضي المذكور اعتراضاً على ما تضمنته مقابلتها على قناة «الحدث» السعودية.

يمكن التأريخ لمضمون هذا الخطاب الذي توجّه في جزئه الأكبر إلى الإدارة الأميركية واتّهمها بمنع تدفق الدولار إلى الداخل اللبناني، عدا الضغط الذي تمارسه في سبيل «تجويع اللبنانيين»، وتكرار السيد نصر الله، مسألة التوجه اقتصادياً إلى الصين في محاولة لإنقاذ الوضع الاقتصادي في الداخل، خاصة بعد دخول قانون «قيصر» الأميركي حيّز التنفيذ.
ما قاله نصر الله وقتها أثار زوبعة إعلامية ممنهجة استمرت لأيام قبل وصولنا أخيراً إلى مأزق السفارة الأميركية ومعها بعض الإعلام المحلي. حاولت سياقات هذه الحملة الإعلامية تقزيم الاستثمارات الصينية في لبنان أو التقليل من شأنها، والتهويل بأن وجه لبنان الاقتصادي الحرّ سيتغير. وما سعّر النقاش أكثر، ترحيب السفارة الصينية والحكومة بهذا الأمر، إلى حين التدخل المباشر لمساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شينكر الذي وصف التعاون الصيني - اللبناني بـ «الصادم» وحذّر من تحول هذه الاستثمارات إلى منصة «تجسّس» للحزب الشيوعي الصيني. تصريحات نقلتها سريعاً بعض وسائل الإعلام وتبارت في ما بينها على فورية هذا النقل، عدا بدء تدشين السفيرة الأميركية جولاتها المكوكية على القنوات اللبنانية، وتكرارها السردية عينها في وقوف أميركا إلى جانب الشعب اللبناني، وإيراد الأرقام المليونية التي أسهمت فيها الولايات المتحدة كمساعدات للبنانيين، مع هجومها بالطبع على «حزب الله» واتّهامه بالفساد ومساهمته في انهيار الليرة اللبنانية. مقابلات اتّسم أغلبها بانعدام المهنية، إذ تسمّر المحاورون أمام كلام شيا من دون نقاش، كمن بات يفتح آلة تسجيل لضيفه من دون أيّ مقاطعة رغم خطورة المضمون. إذ ظهرت على lbci، في اليوم الثاني لخطاب السيد نصر الله، وردت على كلامه بخصوص حجب الدولارات، ومرّرت رسائلها بالطبع من دون أن تستقصي المحطة عن حقيقة الأمر واقعاً. في اليوم عينه، كانت mtv تصف في مقدمة نشرة أخبارها التوجّه إلى الصين بـ«القاتل» وتورد سلسلة أسباب تحول دون التعاون مع الصين، من بينها «إيقاف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي»، و«تشويه وجه لبنان كرائد للاقتصاد الليبرالي الحر»، إضافة إلى «خروج الوطن الفقير من المنظومة المالية والأسرة العربية». وكان خبير الشؤون السياسية والاقتصادية في المحطة سامي نادر يقزّم من قيمة الاستثمارات الصينية، وخيار الاتجاه شرقاً، واصفاً اتّهام أميركا بمحاولة تجويع اللبنانيين بـ«المناورة السياسية» والترويج لنظرية «المؤامرة»! في هذا الوقت، كانت lbci تتحدث عن هذه الاستثمارات وتورد آراء خبراء اقتصاديين في هذا المجال، وسط تضارب واضح في ما بينهم، حول حجم هذه الاستثمارات وقيمتها المادية، فيما برز في أحد تقارير المحطة بعد عرض هذه الآراء، تحذير من جلب هذه الاستثمارات «لعقوبات على الدولة اللبنانية من نافذة حزب الله». الأخير حضر أيضاً، على طاولة lbci، من خلال مقابلة مع نائب الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم الذي أوضح أن الانفتاح الاقتصادي على الصين لا يعني تغيير وجه لبنان الاقتصادي، بل من باب المساعدة في ظلّ الأوضاع الصعبة التي تعيشها البلاد. طيلة أسبوعين من الزمن، بعيد خطاب السيد نصر الله، بدأت جهات سياسية وإعلامية في البلاد، تحاول حرف الأنظار عن جوهر وواقع الأزمة النقدية والمالية في لبنان، والمسؤولين عنها، وتسعى جاهدة لأن تُظهر الولايات المتحدة الأميركية في صورة برّاقة تمدّ يد العون للبنانيين في هذه الظروف، مقابل تشويه وتقزيم إمكانية فتح الباب على الشرق لأن «طريق الحرير مزورع بالأشواك» كما عنوت إحدى الصحف المحلية.

تهويل بأن وجه لبنان الاقتصادي الحرّ سيتغير مع التوجّه شرقاً


استمرّت الحملة الإعلامية لغاية تفجّر الأزمة يوم السبت الماضي لدى صدور قرار القاضي مازح الذي هبّ ضده معظم وسائل الإعلام المحلية والخليجية.
الأخيرة تلطّت خلف شعار حرية الإعلام كي تتصدى لأيّ محاولة لانتقاد أو مساءلة السفيرة حول تصريحاتها الأخيرة، وتدخلها في الشأن اللبناني، عدا كيلها الاتّهامات لفصيل لبناني، واتّهامه بـ«الإرهاب»، وبسرقة أموال الدولة. فليس مستغرباً أن تسأل ليال الاختيار (lbci) السفيرة بعد صدور القرار القضائي عن أن مقابلة الأخيرة مع «الحدث» لم تأتِ بجديد، فكلامها هناك تكرر على وسائل إعلامية مختلفة.
فضح واضح للصمت الإعلامي الذي ساد وقت خرجت السفيرة في مقابلة سابقة على lbci وكررت الاتّهام عينه، ربما بلغة ألطف من المنبر السعودي. القرار القضائي بحق السفيرة وما استتبعه من هجمة شرسة مركّزة على القاضي إلى جانب كسر قراره باستضافة شيا على الشاشات، وتخصيص مساحات من نشرات الأخبار لتناول القضية وإبراز خطأ القاضي، والوقوف على خاطر السفيرة، كل هذه الأجواء تتقاطع مع الحملة التهويلية التي انطلقت قبل أسبوعين، في ترابط واضح لقرار يقضي بزيادة الضغوط الاقتصادية على اللبنانيين، ومنع أيّ باب للمساعدة في مقابل تقديم فروض الطاعة للأميركي، وتحوير الأنظار عن المسؤولين عن الأزمة النقدية المتفاقمة لصالح بروباغندا تُشرذم اللبنانيين، وتضع مسؤولية الانهيار المالي وتجويع اللبنانيين على عاتق «حزب الله»!



... والإعلام السعودي لا يرى سوى حزب الله
لا تخفى على أحد البروباغندا السعودية التي نشطت أخيراً ضد «حزب الله» بعيد اشتداد الأزمة الاقتصادية والنقدية في لبنان. مع تواطؤ بعض الداخل اللبناني في خدمة الإدارة الأميركية، وممارسة التعمية بشأن المسؤولين المباشرين عن الانهيار الحاصل في البلاد وتغطيتهم، بدأت الماكينة السعودية تشتغل وتولي للحدث اللبناني أولويةً، لا سيما مع خروج مجموعات صغيرة تدعو إلى تطبيق القرار 1595 ونزع سلاح المقاومة. عوّلت «العربية» على هذا التحرّك الذي لا يتعدّى عدد أفراده عشرة أشخاص. ومع فشلها في هذا الأمر، حولّت الأنظار نحو الوضع النقدي، وأسهم في ذلك، دخول قانون «قيصر» حيّز التنفيذ. عدا أنها احتفلت بالأخير، سألت في تغطيات متفرقة سابقة عن كيفية تصرّف الحزب حيال «خسائره» و«أزمته المالية» بعد العقوبات الأميركية التي طالته، وما إذا كان سيعوّض من «جيوب اللبنانيين»! لم تكتفِ القناة السعودية بهذا القدر من بثّ سمومها، ومحاولتها تأليب اللبنانيين على بعضهم، بل راحت تروّج في الأيام الأخيرة الماضية أن «حزب الله» هو من أوصل الليرة إلى حافة الانهيار، واستنزف خزينة الدولة. هكذا، سرعان ما نشرت هذه السردية، مستغلّة الأزمة النقدية الحالية، واشتداد الخناق على رقاب اللبنانيين. وخصّصت ضمن تقاريرها الأسبوع الماضي، حيزاً تشرح فيه لجمهورها أسباب الانهيار الاقتصادي في لبنان، وخلصت إلى أن الحزب مسبّب رئيس في الأزمة الحالية وتداعي الليرة اللبنانية، بما أن الولايات المتحدة الأميركية قد فرضت على شخصياته وكياناته عقوبات قاسية. وحصل هذا الأمر من خلال عملية تهريب الدولار إلى سوريا، و«تغطيته الفساد» في تعمية جديدة، تتقاطع مع ما يسوّق له بعض الإعلام اللبناني عن الأيدي المتورطة في إيصال البلاد إلى حافة الانهيار الاقتصادي، وعلى رأسها المنظومة المصرفية المغطاة طبعاً سياسياً. وقبل أيام، خرجت السفيرة الأميركية على شاشة «العربية/ الحدث»، وأثارت ضجة لتعقيبها على قرار قضائي قاضي الأمور المستعجلة محمد مازح (منع وسائل إعلام محلية وعاملة في لبنان من استصراح السفيرة)، بناء على شكوى من مواطنة لبنانية استفزها مضمون ما خرج على الشاشة السعودية، إذ قالت شيا وقتها إنّ بلادها «تشعر بقلق كبير حيال دور حزب الله المصنّف منظمة إرهابية». وأضافت بأن «مليارات الدولارات ذهبت إلى دويلة حزب الله بدل خزينة الدولة». كلام يتقاطع مع سردية الإعلام السعودي، وبات مكرّراً على أكثر من شاشة محلية من دون أن يلقى اعتراضاً طبعاً! هكذا، وبكل سهولة تتضح الماكينة الإعلامية التي تشتغل في الداخل اللبناني وخارجه، وتستغلّ ما يحصل من تداعٍ في الاقتصاد اللبناني وصرخة اللبنانيين جوعاً في الشوارع، لتمرّر مشروعها السياسي القاضي بالتصويب على فصيل لبناني، وتسعى لتصفية حساباتها معه ولو على حساب إحداث فتنة أهلية!