في العام 2017، قدّمت الدراما المصرية مسلسل «رمضان كريم» (للمخرج سامح عبدالعزيز والكاتب أحمد عبدالله). كان المسلسل حالةً خاصةً يومها، إذ إنّه لم يقدّم قصة دراميةً معتادة، بل شيئاً أشبه باليوميات لشارعٍ عادي في شهر الصيام. لم يحظَ المسلسل بالكثير من الضجة رغم وجود عدد لا بأس به من النجوم آنذاك مثل روبي وشريف سلامة وسيد رجب. تميل الشركات الكبرى للمسلسلات ذات «الضجة»، بينما «رمضان كريم» هادئٌ دون ذلك. رغم هذا حفر المسلسل مكاناً له بين النقاد والمتابعين كونه شكل أساساً وفاتحةً -بعض الشيء- لأعمالٍ من هذا النوع الذي يصنّف كدراما هادئة. يأتي هذا النوع من الأعمال، ليريح المشاهد بعيداً عن رتابة/معتاد قصص الدراما العربية في الشهر الفضيل: مجرمون/أكشن، أمراض نفسية، صراعات/عداوات، تفجيرات وإرهاب. هذا العام، يأتي مسلسل «ليالينا 80» ليكون بمثابة «رمضان كريم» لهذا الموسم. إنه مسلسلٌ لا يحكي شيئاً ويحكي كل شيء. لا قصة واضحة كي تكون هي الجذابة، ما أمامنا هو مزيجٌ من كل شيء في آنٍ معاً: الأبطال جذابون بحد ذاتهم حتى ولو لم يحكوا شيئاً، مجرّد النظر إليهم والتطلّع إلى ما يفعلون يجعل المسلسل ناجحاً بمختلف المقاييس. الحكاية هادئة وبسيطة بشكلٍ معتاد؛ لكن إعتيادها أتى مع ديكور/أزياء مرتبطة بتلك المرحلة الزمنية التي لا تزال ترخي بظلالها على حياتنا اليومية السياسية/ الاجتماعية حتى اليوم. نقطة أخرى يجب الإشارة إليها هي البناء الدرامي: هناك نوعان من القصص في المعتاد: القصة التي تروي شيئاً وتسمّى «الحدثية»، فيما القصة التي تروي مشهداً أو صورةً لحدثٍ عام هي «المشهدية». يمكن اعتبار «ليالينا 80» بمثابة مشهدية كاملة لشهرٍ من حيوات أبطال هذا المسلسل.

شخصيات المسلسل كما أشرنا هي واحدة من نقاطه الأساسية والأقوى: جلال والذي يؤدي دوره خالد الصاوي في واحد من أجمل أداءاته التمثيلية حتى اللحظة، هو دكتور في الفلسفية يلقّب بأرسطو. أرسطو هذا بجسده الممتلئ فقد زوجته (نورهان) منذ سنوات، يعيش وحيداً لذلك فإنه خلقها -واعياً ومدركاً- لتكون جزءاً من حياته اليومية. هو يحدّثها باستمرار ويتناقش معها، قد يبدو ما يفعله جنوناً، هو يدرك ذلك، ويقبل به. أصبحت لديه حالة من الاعتلال العقلي أشبه بالزهايمر، فهو ينسى كل شيء إلا «اللي بنحبه بقلبنا، دا ما ينفعش ننساه» أو كما يقول في مكانٍ آخر: «أنا ربنا اداني المرض دا عشان أنسى الحاجات والناس الي بكرههم وأفتكر بس الحاجات والناس اللي بحبهم». هو يدرك أن زوجته ميتة: عقلياً هو مقتنعٌ بذلك، لكنه يرفض أو لا يريد تصديق ذلك قلبياً، لذلك هي لاتزال حية ويتحدّث معها. أداء الصاوي الذي يذكرنا بعمالقة التمثيل الكبار لا مصرياً فحسب، بل عالمياً يمكن الحديث عن جهده الكبير للوصول إلى هذا الأداء: غيّر شكل شعره، جسده، طريقته في الكلام، تلعثمه الواضح، فضلاً عن حركاته وسلوكه. صابرين من جهتها تبذل مجهوداً هائلاً في دور رقية، هي لا تزال تحتفظ بنضارة خاصة في التعامل مع الأدوار التي تعطى لها، لكنها لا تزال منهكة من دورها في مسلسل الجماعة بجزئه الثاني حينما أدّت دور «زينب الغزالي». إذ إن بعض ألفاظ اللغة العربية الفصحى، فضلاً عن طريقة النطق تذكر بالغزالي أكثر من «رقية» الخياطة القادمة من منطقة شعبية. إياد نصّار وغادة عادل الزوجان غير السعيدين، يمكن الإشارة إلى أنّهما في صراعٍ مستمر لإثبات من منهما يستحق أن يكون من نجوم العمل، فكل مشاهدهما هي صراعٌ درامي، ناهيك بأنّها صراعٌ بين الشخصيات التي يؤديانها؛ إذ يحاول كل واحدٍ منهما، سحب البساط الدرامي من تحت الآخر. هشام (إياد نصّار) زوج يعمل في الخليج يريد العودة لأنه أنهك، فيما زوجته مريم(غادة عادل) لا تريده أن يفعل ذلك بحجّة أنهم لا يستطيعون تأمين مستقبل لإبنتهما جميلة (رنا رئيس). الحكاية من بدايتها معقّدة والعلاقة بينهما أصلاً غير سوية: مريم تحب ولا تحب زوجها في آنٍ معاً، تنتظر منه أن يخطئ، فكيف إذا اكتشفت أنه تزوّج عليها «عرفياً». يزداد التعقيد حينما تتعرض ابنتهما جميلة لحادث سيارة مما يفقدها البصر: هنا تبرز رنا رئيس في أداءٍ جميلٍ للغاية، يمكن النقاش كثيراً في موهبة الشابة صغيرة السن والتي إن راكمت عليها ستكون من نجمات جيلها، خصوصاً لناحية استخدامها لابتسامتها. ممثلٌ آخر يمكن الحديث عنه أيضاً هو حسني شتا الذي كان له دور جميل في مسلسل «أيوب» (2018)، ويعود هذا العام بدورٍ خفيفٍ يذكرنا بأنه يستطيع تقديم الكثير إذا ما أعطيته له الفرصة، نفس الأمر ينسحب على محمد علي رزق، الذي يخرج من عباءة الكوميديا ليقدّم أداءً درامياً مختلفاً.
إخراجياً، يعطي أحمد صالح المسلسل كامل انتباهه، فيهتم بأدق تفاصيله؛ وهذا شيءٌ يحتاجه هذا المسلسل بشدة: فهو يصوّر ثمانينيات القرن الماضي. معنى ذلك أن كل ما يجب أن نراه على الشاشة يجب أن يكون آتياً من ذاك العام وفعلاً ما نراه هو ذلك؛ هذا دليلُ إتقانٍ شديد. نشاهد ثياب تلك المرحلة، أحذيتها، تسريحات الشعر المناسبة، أسلوب الحديث، ساعات اليد، الإعلانات على التلفاز، السيارات، أشكال الأبنية. اهتم المخرج كثيراً بتلك التفاصيل، إلى درجة أنك تنسى تماماً أن هذا مسلسل من العام 2020. نص المسلسل هادئ، وهو أمرٌ تحتاجه الدراما العربية عموماً، إذ إنه يبتعد عن الأحداث الكبيرة، فهذا النوع من المسلسلات في المعتاد يترك الأحداث الكبرى هي التي تغطيه، فيما الرواية/ القصة تحكي عن الأثر الرجعي (residual effect) لتلك الأحداث على أبطالها: يأتي اغتيال السادات كبداية للمسلسل، ثم اجتياح العدو الصهيوني للعاصمة بيروت أثرٌ آخر، انفتاح المجتمع بشكلٍ مختلف مع مجيء حسني مبارك إلى الحكم، والتغيّر في البنية الأصلية للمجتمع المصري شيئاً فشيئاً. موسيقياً، كانت الإستعانة بهاني مهنى، أحد نجوم الموسيقى المعروفين إبان مرحلة ثمانينيات القرن الماضي، فعلاً ناجحاً وذكياً، فقدّم بناء موسيقياً جميلاً، أوحى فعلاً بأن العمل أصيل وقديم (vintage) مما أضفى الكثير من المتعة للمشاهدة.
يأتي مسلسل «ليالينا 80» بمثابة مصالحة بين الدراما/ التلفزيون والجمهور الذي يريد مشاهدة مسلسلٍ هادئ بعيداً عن ضجيج الصراعات والعراكات وسواها. مسلسلٌ خفيفٌ يحب المشاهد أبطاله ويتواصل معهم ويشعر بأنه يعرفهم وقد شاهدهم من قبل. مسلسل عائلي بامتياز، سهلٌ ممتنع، ويستحق المشاهدة بالتأكيد.

«ليالينا 80»: الساعة 7:00 صباحاً و 14:00 ظهراً على «إيه آر تي حكايات»
و«سي. بي. سي» عند 9:00 صباحاً
و«سي. بي. سي. دراما» عند 16:30 ظهراً