ليس جديداً الكلام عن دور شبكات البثّ عبر تقنية التدفّق الإلكتروني (الستريمينغ) في تغيير قواعد المشاهدة أو صناعة المادة التلفزيونية أو أداء وسائل الإعلام المرئية التقليدية، خصوصاً بعد وصول هذه المنصات إلى كلّ أنحاء العالم، وعلى رأسها «نتفليكس» صاحبة الخطط التوسعّية الطموحة على الرغم من العقبات المالية والديون الطائلة. حتى أنّ شهر تموز (يوليو) 2018 حمل مفاجأة كبيرة في بريطانيا، مع إعلان «هيئة تنظيم شؤون البث الإذاعي والتلفزيوني» (Ofcom)، رسمياً، أنّ عدد مشاهدي البرامج والمسلسلات عبر «نتفليكس» و«برايم فيديو» (أمازون) وغيرهما من الخدمات الخاصة بمشاهدة الفيديو حسب الطلب (VOD) يفوق أولئك الذين يلجأون إلى وسائل المشاهدة التقليدية (كالأقمار الصناعية والكابل)، لتخلص إلى أنّ هذه الشبكات صارت رسمياً «أكثر شعبية من التلفزيون المدفوع». وهذه سابقة في تاريخ البلاد كون عدد المشتركين في هذه الخدمات في الربع الأوّل من العام الماضي وصل إلى 15.4 مليون شخص.

في مقابل هذا «النجاح» المتسارع، هناك عقبات عدّة سبق أن تناولناها بشكل مفصّل (الأخبار 03/08/2018). لكن على الرغم من ذلك، يبدو أنّ التطوّرات في هذا الميدان كبيرة جداً، على أن تشهد الفترة المقبلة معركة من نوع آخر، بدأت تظهر معالمها في الأيّام الأخيرة.
نحن نعيش عصراً جديداً في عالم الترفيه، قائماً على خيارات كثيرة. وبغض النظر عمّا إذا كان الأمر ذاهباً باتّجاه الأفضل أو الأسوأ، فـ «حرب الستريمينغ» قد اندلعت!
شركة «ستاتيستا» الألمانية المتخصّصة في الإحصاءات، لفتت إلى أنّ عائدات منصّات الـ «ستريمينغ» عالمياً في العام الحالي بلغت 24.771 مليار دولار أميركي، متوقعة أنّ يسجّل هذا الرقم نموّاً بنسبة 3.2 في المئة، ليصل في 2023 إلى 28.151 مليون. ولفتت المؤسسة التي انطلقت في 2007 إلى أنّ نسبة ولوج المستخدمين إلى هذه المنصات سترتفع من 14.5 في المئة هذه السنة إلى 16.2 بحلول 2023. مع العلم بأنّ غالبية المبالغ تُحقق في الولايات المتحدة (11.420 مليار في 2019).
إذاً، بعد سنوات من هيمنة منصات محدّدة، سواءً في الولايات المتحدّة وأوروبا وفي مختلف بقاع الأرض، بدأ لاعبون جدد يدخلون على الخط، وكلّهم عزم على تغيير القواعد السائدة.
في الأوّل من تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي، أبصرت منصة + Apple TV النور، قبل أن تتبعها +Disney، التي طال انتظارها، في 12 من الشهر نفسه. كما ستحمل الأشهر المقبلة منصتَيْن أميركيتَيْن جديديتَيْن، هما: Peacock (من «كومباست»)، وHBO Max (من AT&T).
«حرب» ستحتدم على صعيدَيْ المال (كلفة الاشتراك) والمحتوى، فيما عيون هوليوود و«وول ستريت» شاخصة عليها، وفق ما ورد في مجلة Bloomberg Businessweek الخاصة بالاقتصاد والأعمال.
«إطلاق المنصات الجديدة سيُحدِث ضجيجاً والكثير من الصخب»، قالت «نتفليكس» في رسالة موجّهة إلى المساهمين فيها في منتصف تشرين الأوّل (أكتوبر) الماضي. وأقرّت المنصة الأميركية الرائدة في هذا المجال بأنّ المنافسين الجدد سيجعلونها عرضة لـ «رياح معاكسة قصيرة الأجل».
المدير التنفيذي لـ «نتفليكس»، ريد هاستينغز، يعتقد أنّ هناك «مكاناً للجميع، في الوقت الذي يبتعد فيه المشاهدون عن التلفزيون التقليدي». لكن ما لا يعرفه هاستينغز، أو ما لا يريد الإقرار به علناً ربّما، بأنّ الدرب من اليوم فصاعداً باتت مليئة بالعثرات.
تحاول «آبل» اللحاق بلاعبَيْن فاعلَيْن ومتمرّسَيْن على الساحة، هما: «نتفليكس» و«أمازون». بينما تمكنت «ديزني» فوراً من أن تجد لنفسها موطئ قدم، وتثبّت موقعها حتى قبل الانطلاقة الرسمية.
هذا الاختلاف يمكن رصده من خلال عوامل عدّة، بدءاً من خبرة «ديزني» التي تعود إلى عقود مضت في التسويق الجماهيري على صعيد الترفيه، إلى محاولة «آبل» الغريبة والدائمة للمزاوجة بين سرية شركة التكنولوجيا ومرونة هوليوود.
لكن برأي المراقبين والعاملين في عالم صناعة الترفيه، +Disney على الأغلب ستحظى بتفضيل الزبائن، خصوصاً مع مواصلة انتشار خدماتها في بلدان مختلفة مع مرور الوقت.

يرى مراقبون أنّ +Disney ستكون الأقوى لناحية المحتوى وكلفة الاشتراك


إذ أنّها متوافرة حالياً في الولايات المتحدة وكندا وهولندا وأستراليا ونيوزيلندا وبورتوريكو، وستنتقل اعتباراً من 31 آذار (مارس) 2020 إلى أسواق جديدة في غرب أوروبا، من بينها المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا. في الوقت الذي ينتظرها بقية العالم، وتحديداً الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
كلفة اشتراك +Disney الشهير (6.99 دولار) هي تقريباً نصف المبلغ الذي تتقاضاه «نتفليكس» لخطتها العادية (12.99 دولار ــ بمحتوى بدقة عالية (HD) لجهازين)، مع إتاحة مكتبة تتضمّن محتوى لا يمكن حصره من الأفلام والمسلسلات والبرامج الجذابة بالنسبة للكبار والصغار في آنٍ معاً (من «أفنجرز» و«حرب النجوم» إلى «توي ستوري» و«ذا سيمبسونز»…). وهنا، تجدر الإشارة إلى أنّه على الرغم من أنّ اشتراك «آبل بلاس» لا يتعدّى الـ 4.99 دولار أميركي، غير أنّ «ديزني بلاس» تبقى في المقدّمة بفضل الأرشيف الهائل والأعمال التي يرتبط فيها الملايين ارتباطاً «عاطفياً وثيقاً». ولعلّ أبرز دليل على هذا هو إعلان +Disney في بيان رسمي أنّها سجّلت 10 ملايين اشتراك في غضون 24 ساعة فقط من ولادتها، في ظلّ توقعات شركة «والت ديزني» بأنّ يراوح عدد المشتركين بين 60 و90 مليون على صعيد العالم بحلول 2024، «ثلثهم في الولايات المتحدة»، وفق ما نقلت مجلة «فارايتي».
في هذا السياق، ترجّح «ستاتيستا» أن تشهد السنوات القليلة المقبلة «طفرة» في عالم الـ «ستريمينغ» لا سيّما في «الدول المتقدمة». وتشير كذلك إلى أنّ منصات جديدة على شاكلة + Apple TV قد تجذب مستخدمين جدداً، غير أنّ الافتقار العام للرغبة في الدفع في الأسواق الضخمة المحتملة (مثل الصين والهند) سيحدّ من النمو في هذا القطاع على نطاق عالمي.

بلغت عائدات منصات الـ «ستريمينغ» عالمياً 24.771 مليار دولار أميركي في 2019


لهذه المنافسة ثمن باهظ من دون شك. فكلفة إنتاج المسلسلات الأكثر شعبية قفزت بنسبة 30 في المئة، وفقاً لتيد ساراندوس، مدير المحتوى في «نتفليكس». هذه الأخيرة على سبيل المثال، ستكون في نهاية 2019 قد أنفقت 15 مليار دولار، بينما تعزّز «أمازون» وAT&T و«كومكاست» و«ديزني» ميزانياتها إلى مستويات مشابهة.
في ظلّ هذا الواقع، يشير الخبراء إلى أنّه من المستبعد والصعب أن يكون المستخدمون مستعدّين لتكبّد كلفة اشتراكات في منصات «ستريمينغ» عدّة في الوقت نفسه، ويبقى الرهان على الطرق التي ستسلكها الشبكات المتنافسة من أجل الفوز برضا الناس، في وقت من الواضح أنّ كلّ الأسلحة مباحة لحسم هذه «الحرب».