«عَ هدير البوسطة» عبارة استعارتها بعض الشاشات، أمس السبت، من أغنية فيروز الشهيرة للحديث عن ما سميّ بـ «بوسطة الثورة». لكن، وعلى الرغم من «شاعرية» العبارة، فإن النشاط المتمثّل بسير حافلة مع ركابها من الشمال إلى الجنوب، اصطدم بمجموعة عراقيل ميدانية، لا بل إنّه قسّم الرأي العام اللبناني ومعه الشاشات. فمع تسرّب أسماء ومعلومات عن بعض الشخصيات المنظّمة للنشاط، بدأت سلسلة الاعتراضات على السوشال ميديا، وعبر بيانات لبعض مجموعات الحراك في مناطق شمالية وجنوبية، ترفض مرور الحافلة عبر نقاطها، وذلك اعتراضاً على «شبهات حول المنظمين وخلفياتهم وأهدافهم».

lbci، وضعت ثقلها صباحاً في تغطية حدث أخذ هذا الحيّز الكبير والمضخم على الشاشة، ومواكبة «البوسطة» من الشمال مروراً بوسط بيروت، إلى أن وصلت إلى تخوم مدينة صيدا الجنوبية، حيث تصاعدت الأصوات المعترضة على مرور الحافلة، وتجمهر عدد من الشبان على حاجز «الأوّلي» بينما كان محتجون ينتظرون ملاقاة رفاقهم الآتين من بيروت. طوال هذه الفترة، أي ما يقارب الساعة، غيّب الإعلام (أقلّه محطات mtv، و«الجديد»، وlbci) نفسه عن الحدث. فشاهدنا هذه الشاشات تعيد برمجة المساء، أو تفتح هواءها في الاستديو لإحدى الشخصيات، من دون أن يحضر الحدث الصيداوي.
أما nbn، فوضعت ثقلها في التغطية وكانت حاضرة لساعات في صيدا، مع تحيّز واضح للمعترضين وحماسة زائدة لثني الحافلة عن إكمال طريقها والدفع باتجاه عودتها إلى بيروت من دون المرور بالمحطات الجنوبية المقرّرة سابقاً.
الخطاب السائد عبر الإعلام اللبناني والسوشال ميديا، كان يصرّ على أنّ كل ما يُقال عن الحافلة ومنظميها مجرد شائعات وحملات تشويه، وأنّ همّها الأساسي الانطلاق من فكرة «بوسطة عين الرمانة» التي أشعلت الحرب الأهلية، وطرح نموذج مختلف يجمع اللبنانيين من كلّ الطوائف. حتى أنّ mtv مثلاً، دخلت إلى الحافلة لتظهر أنّها قديمة، كدليل على غياب التمويل الأميركي الذي حُكي عنه!
وبعد تأزّم الوضع جنوباً، تدخّل النائب أسامة سعد بغية تسهيل وصول الحافلة إلى «ساحة إيليا» في صيدا، وهكذا حصل مع مواكبة أمنية. وسائل الإعلام صوّرت هذه اللحظة على أنّها «استثنائية وتاريخية»، إلا أنّ الصورة ظلّت مجتزأة بالطبع لا سيّما في نقل واقع ما يجري في الساحة الصيداوية التي تحتضنن المتظاهرين وركاب الحافلة والمعترضين عليها. وكما جرت العادة، كسرت الصورة مراراً لقطات جوية تضيّع الحدث الميداني. لكن هناك على السوشال ميديا من كان بالمرصاد. هكذا، ولدت ضجّة افتراضية على خلفية دفاع مراسلة «الجديد» جويل الحاج موسى عن سمير جعجع لدى ارتفاع هتافات «سمير جعجع صهيوني» في «ساحة إيليا»، وقولها إنّه علينا ألّا نعيد خطاب الحرب، مشددةً على أنّ «الحكيم» اعتذر عن ارتكاباته. حتى أنّ الأمر ذهب أبعد من اعتراض مراسلة على الهجوم على سياسيّ لبناني، ليتعدّاه إلى التأكيد بأنّ الهاتفين ليسوا من صيدا ودُخلاء عليها!



في المحصلة، بقي مسار «البوسطة» أمس حدثاً في غاية الأهمية عبر الإعلام اللبناني. لا بل وجد البعض أنّه من الضروري الدفاع عن كل ما يقال ضدّ منظميه، في ظل محاولة التصوير وكأنّ هناك شارعين متواجهين حتى داخل الحراك نفسه، مع التصويب على الجنوبيين والإيحاء بأنّ الجنوب خرج عن المعادلة الوطنية برفضه الانضمام إلى «البوسطة». تأويلات كثيرة لحدث صغير ضُخّم إعلامياً تحشيداً للمنظّمين، واستطاع أن يحتلّ الشاشات ويربك أداءها أحياناً، ويأخذ حيزاً في الخطاب الجماهيري العام ورسائله الساذجة، وكأنّنا ما زلنا عالقين في أيام الحرب الأهلية وما بعدها، ولا تزال الحواجز المادية تمنع اللبنانيين من ملاقاة بعضهم البعض!