تحت مسمّى «مشروع وطن»، التقى ناشطون من الحراك الشعبي المطلبي اللبناني في ورشةٍ حوارية بهدف استعراض واقع الحراك الشعبي اليوم، وصولاً إلى «سلة مطالب» وصورة أولية مبدئية حول ماهية المطالب لحراكات المطالبة عبر المناطق اللبنانية كافة. يذكر أن الحضور قد أتى من جميع المناطق اللبنانية، فتوافد المجتمعون من حلبا في عكّار وصولاً حتى البقاع، ومن أقصى الجنوب حتى بيروت واعتصامها في رياض الصلح.

توزّع النشاط على جلساتٍ أربع، تلاها مؤتمر صحافي ثم بيان ختامي.
كانت الجلسة الأولى حول الرؤية الاجتماعية للحراك المدني، أدارتها الدكتورة هدى سليمان حيث قدّم الزميل بيار أبي صعب مداخلة حول «الحراك الشعبي بين التهديدات والفرص». واستعرض الأسباب العميقة التي أدت للخروج إلى الشارع وضرورة تفعيل دور المواطنة والقيام بفعل الإيمان الحقيقي الذي يختلف عن الانتماء للطائفة، وهو ما تجلّى في الانتفاضة الشعبيّة التي حدثت منذ ما يقارب الشهر. استشهد أبي صعب بعدد من الثورات في العالم التي حققت المكاسب لشعبها وبلادها. تلتها مداخلة بعنوان: «الحراك الشعبي مشروع وطن» للأستاذ الإعلامي ميخائيل عوض وذهب فيها إلى أن ما يحدث في الشارع اليوم يمهّد لخلق المجتمع القوي، معتبراً أن الفوضى التي تخيف البعض ما هي إلا جزء من أي عمل مطلبي اجتماعي. وأشار إلى أنَّ عجز السلطة عن قمع الحراك أو احتوائه يؤكد مقدار مصداقيّة النسبة الأكبر من الموجودين في الشارع، تاركاً الحلول في عهدة المقاومة كونها الحلف القوي الذي كان وما زال يمثّل حلف الفقراء ولأنها على امتداد الحكومات المتعاقبة حملت هموم الناس ومطالبهم وحاولت مكافحة الفساد.
أدارت الجلسة الثانية الإعلاميّة نانسي السيّد، وقدّم فيها الخبير الاقتصادي الأستاذ زياد ناصر الدين محاضرة عن «النفط والغاز كثروة للأجيال القادمة وكيف يمكن إدخاله في البنيان الاقتصادي اللبناني»، مقدّماً رؤية تاريخية للبدء بالتنقيب عن النفط في الأراضي اللبنانية وعرضًا واقعيًا لأماكن تواجد النفط على امتداد الخارطة اللبنانية وتداخلات السياسة والاقتصاد وتأثير كل منهما في الافادة من هذه الثروة التي تغيّر الوجه الاقتصادي والحضاري للبنان. بعد ذلك جاءت المداخلة الاقتصادية للنقيب الأستاذ أمين صالح والتي أتت بعنوان «أسباب الأزمة الماليّة والنقدية في لبنان» حيث استعرض السياسات الماليّة والاقتصادية السيّئة منذ التسعينيّات وحتى اليوم، التي راكمت أخطاء وأزمات أوصلت البلاد إلى العجز والانفجار، ذلك أنّها قامت على كاهل الفقراء وذوي الدخل المحدود وفرضت عليهم سلسلة من الضرائب غير المحقّة معفية المستثمرين وكبار الشركات والمودعين من الضرائب من خلال تشريع قوانين جائرة وغير شرعيّة لا تحمّلهم مسؤولياتهم تجاه الدولة، متطرّقاً للسياسة المالية لمصرف لبنان وحاكمه رياض سلامة الّذي له حصّة الأسد في هذه السياسات والإعفاءات الضريبيّة المجحفة.
في الجلسة الثالثة، كان عرض لمطالب المناطق من خلال مشاركين في الحركات الشعبية فيه، قدم فيها كل من مُنح حمادة عن حركة الشعب وبشار نعمان عن حراك عكار ومحمد موّاس عن حراك طرابلس وعصام فاخوري عن حراك صور عرضاً عن واقع الانتفاضات الشعبية في هذه المناطق وأبرز المطالب التي تخرج بها من الواقع المتردّي الذي تعيشه؛ أدارت هذه الجلسة الإعلامية ناريمان علّوش.
أمّا في الجلسة الرابعة «بناء الوطن بين العفو العام والعدالة الانتقاليّة»، فقدّمت أستاذة القانون في الجامعة اللبنانية الدكتورة عزّة سليمان محاضرة قيّمة عن العفو العام الذي يجري اليوم الحديث عنه وشروطه وموجباته والمحاذير التي ينبغي التنّبه لها عند إقرار مشروعه والأسس القانونيّة السليمة التي تحمي سيادة الدولة في إقرار قوانين كهذه، تبعها عرض لدور الجمعيات والمؤسسات السياسيّة والأهلية في مراحل السلم والحرب وكيفية تعاطيها مع الأزمات وآليات تمويلها ومراقبتها، قدّمه الأستاذ المحاضر في الجامعة اللبنانية الدكتور علي شكر.
تلا ذلك مؤتمر صحافي وتلاوة البيان الختامي من قبل كل من الأساتذة ناصر العجمي وعبد الله حمود وناصر سليمان ومحمد موّاس وعباس رمضان وفيصل صفير وكارولين صبّاغ، وخلص فيه المجتمعون إلى سلسلة مطالب أوليّة تخرج بالوطن من أزماته وتزيح عن كاهل المواطن اللبناني بعضًا من المعاناة والأزمات التي لم يعد يقوى على تحّملها، وتم الاتّفاق على تشكيل لجنة من متخصّصين وأكاديميين وناشطين تعنى بتفصيل هذه المطالب وصياغتها ورفعها للجهات المختصة.
---