قبل أيام، أُعلن الخبر الرسمي عن إيقاف عجلة «المستقبل»، بعد انطلاقها عام 1993، تلاها رثاء على مواقع التواصل، تحسّراً على القناة التي انطفأ نجمها بعد ربع قرن. أفاق كثيرون ممن رثوا القناة، على أنها كانت موجودة على الخارطة المحلية، بعد التراجع الهائل الذي أصاب عمليات الإنتاج داخلها في السنوات الأخيرة، وعجزها عن استقطاب حتى جمهورها الحزبي الضيق، ما خلا نشرات الأخبار والبرامج السياسية التي كانت أداة إعلامية وحتى حربية واضحة في الصراعات السياسية الداخلية والمرتبطة بالإقليم. شكل اغتيال رفيق الحريري عام 2005 منعطفاً في القناة التي بقيت لسنوات، بعد الحدث الأكبر في تاريخ لبنان في العصر الحديث، قبلةً إعلاميةً لفريق 14 آذار، والناطق باسمه، الى أن بدأت تلوح في الأفق متغيرات سياسية، انعكست على الأداء السياسي والدعائي للقناة. هكذا، خفت نجمها، بل إنّها عجزت إبان الأزمة السورية عن احتلال مكانة بين القنوات التي اتخذت من منبرها متراساً وطرفاً في الأزمة. بدأت المؤشرات على الأفول منذ تلك اللحظة.

بين اليوم والأمس، انقلبت الصورة. نتحدث عن محطة ظلت متربعة في التسعينيات على عرش القنوات التي أثّرت في الجمهور اللبناني، وكانت ملتصقة به. عن قناة رغم هويتها السياسية الواضحة وأجهزتها الدعائية، استطاعت كسر القاعدة، واستقطاب جمهور من كل الطوائف والملل والاتجاهات السياسية. حصل ذلك مع سلّة البرامج وحتى الفواصل الإعلانية المصوّرة التي كانت بطاقة التعريف عن المحطة التي حجزت مكانة لدى الجمهور، وتركت بصمة في ذاكرته، الى جانب أغنيات عديدة، أبرزها «لعيونك» لأحمد قعبور، التي كانت تحاكي أحلام اللبنانيين وقتها، وتدعوهم إلى ترك الماضي، أو «ولا يهمك» التي كانت محطة أساسية وردّدها كثيرون، لازمتها «البلد ماشي والشغل ماشي والحكي ماشي»، وكانت كالمخدّر الذي حاول طمأنة اللبنانيين إلى أنهم في عصر الحريري سيعيشون الرفاه الاقتصادي. إضافة الى تلك الأغاني، التي صاغها قعبور بحرفية كي لا تندرج في خانة الخطاب الترويجي السياسي المباشر، شكلت برامج التسعينيات محطات في تاريخ الذاكرة اللبنانية. من النادر أن نجد برامج ترفيهية، أو حتى ثقافية، تستطيع أن تعمّر لسنوات حتى بعد انطفائها: «عالم الصباح» المجلة الصباحية اليومية المنوّعة، الذي انطلقت منه وجوه إعلامية كثيرة، ومنه أيضاً أخذت فقرات صغيرة منه حيّزاً واسعاً في التداول والشهرة. لا أحد ينسى فقرة الموضة مع هاديا سنو، التي كانت سبّاقة عصرها، وتجرأت مراراً وظهرت في «لوكات» تعدّ آنذاك ضرباً من الجنون، وخروجاً عن المألوف. ولا أحد ينسى الشيف رمزي الشويري، الذي كان بين أبرز الشخصيات المحبوبة، وأكثرهم قرباً من الجمهور، وأيضاً فقرة «قرأت لكم» لزاهي وهبي، الموعد الأسبوعي مع قراءة مقاطع من كتب شعرية أو نثرية، ومع بريد القراء، مروراً بالموعد الليلي «الليل المفتوح»، البرنامج الترفيهي الغنائي والراقص، الذي يظل المرجع لكثيرين على «يوتيوب» لإعادة مشاهدة سهرات ناجحة غنائية جمعت وجوهاً فنية، ربما لمرة أولى وأخيرة على شاشة تلفزيونية.

التقليل من الاعتماد على النجوم سواء المصريين أو الأجانب


من ضمن البرامج اللامعة «خليك بالبيت»، الثقافي الوحيد الذي عمّر طويلاً، واستضاف لائحة مشاهير تعدّت سبعين شخصية. استمر 15 عاماً على الهواء، وتابعه الناس باهتمام، وكان اسمه وحتى ديكوره، أقرب الى البيت اللبناني العادي، ضمن جلسة حميمة يجلس فيها زاهي وهبي مقابل ضيفه، وحولهما أضواء المدينة. ولا ننسى هنا، سلسلة البرامج (من «سيرة وانفتحت»، الى «بلا طول سيرة») التي قدمها زافين قيومجيان، وبقي مُصرّاً على اتباع خط مهني، رغم معرفته بأنّ السوق التلفزيوني ذهب الى السطحية ولعبة الترفيه. برامج شكلت بصمة في تاريخ التلفزيون اللبناني، من حيث جرأة الطرح وحتى استشراف ما سيؤول اليه التلفزيون وتقنياته. المساحات التي خصّصها الإعلامي اللبناني، اندرجت ضمن كسر التابوهات، علماً بأن زياد نجيم سبق أن حطّمها في برنامجه «الشاطر يحكي»، لكننا نتحدث هنا عن أسلوب وتجربة مختلفين، عرف بهما زافين في مقاربته للمشاكل الاجتماعية والإنسانية.