لم يحدث على التلفزيون اللبناني أن يحاور ثلاثة صحافيين وزير خارجية أو رئيس حزب سياسي. المشهد لطالما التصق برؤساء الجمهورية، مع فتح المجال أمام أهل الإعلام للجلوس على طاولة واحدة مع الرئيس، ومساءلته علناً أمام الجمهور. ما شهدناه أوّل من أمس في حلقة «مع جبران» على otv، والتي بثت من مركز «التيار الوطني الحر» في «ميرنا شالوحي»، وتحديداً من المكتب الجديد لجبران باسيل، كان أشبه بالبدعة. جلس كلّ من جاد أبو جودة ورواد ضاهر تتوسطهما جوزفين ديب، لمحاورة باسيل وحده! الحلقة التي انطلقت من فوز باسيل بالتزكية برئاسة التيار، استعارت شعار «مع جبران» الذي كان في الأصل «مع التيار» في حملته الانتخابية، وكانت بمثابة اختبار واضح لمجموعة صحافيين ينتمون إلى مؤسسة إعلامية واحدة، في محاورة رئيس حزب ومحاولة المحافظة على مساحة مهنية في طرح الأسئلة حتى الحرجة منها، لكسر الانطباع حول عجزهم عن الخروج عن سياق الإعلام الحزبي.

في الحلقة التي امتدت لساعتين متواصلتين، بدا باسيل كأستاذ في فصل أمام تلاميذ، يثني على بعض الأسئلة وينتقد غيرها، ومن خلفها الصحافي الذي «تجرأ » وطرحها.
لم تخلُ الحلقة من جرأة تسمية بعض الأشياء بمسمياتها، أو أقله نقل الكلام والانتقادات الشعبية منها والسياسية التي توجَّه إلى التيار ورئيسه. في هذا السياق، برزت أسئلة مفاجئة، كسؤال جوزفين ديب عن محاربة الإقطاع واتهامها باسيل بأنّه يمثّل «شكلاً من أشكال الإقطاع» لناحية صلته العائلية بميشال عون. سؤال طُرح في بداية الحلقة، لتستأذن بعده ديب ضيفها في طرح سؤال ثان، علماً أنّ هذا الأمر كان غير محبب. السؤال الثاني كان مرتبطاً بتعيين باسيل لمجموعة «متزلّفين» ومقربين منه، داخل وخارج التيار، وترك أصحاب الكفاءة خارجاً. رئيس «التيار» وجّه هنا انتقاداً مباشراً لديب، واتهمها بتكرار شائعات تدور في الخارج، في محاولة إخراج السؤال من سياقه المهني. ولعلّ الاستجواب الذي حصل في منتصف الحلقة تقريباً حول «كيفية جذب التيار لمسلمين من خارجه» أثار أيضاً استهجان جبران باسيل. استهجان سرعان ما اقترن بخطأ ارتكبه وزير الخارجية لاحقاً في قوله إنّ هؤلاء «يدافعون عن حقوق المسيحيين»، كما يدافع هو عن «حقوق المسلمين»!
في المحصلة، استفاضت الحلقة في شؤون «تيارية» داخلية، وتفرّع الحوار إلى العلاقات مع نبيه بري والحزب الاشتراكي و«حزب الله»، والموقف من العمالة لـ«إسرائيل» التي حاول جبران حصرها بعدد قليل من العملاء وترك المجال للقضاء للحكم.
الحلقة كانت بمثابة «بدعة»، أجلست ثلاثة صحافيين لمحاورة شخصية واحدة، وشكّلت اختباراً للثلاثي في أن يُقمعوا أو أن يذهبوا في أسئلتهم أبعد من الولاء السياسي وعلى منبر شاشة حزبية أيضاً!