في بداية العام الماضي، خطا معظم الإعلام المحلي، نحو خاصية الدفع المسبق لمواقعه الإلكترونية. بين قنوات فرضت على المشاهدين دفع مقابل مادي سنوي أو شهري، وأخرى فضلت التريث، وركزت هذه الخدمة عند الجمهور المنتشر خارج الأراضي اللبنانية، أتت هذه الخطوة في ظل توسع شبكات «الستريمينغ» عالمياً على رأسها «نتفلكس»، وتمتعها باهتمام واسع، لا سيما من قبل الشباب. اعتقدت هذه القنوات أنها بهذه الخطوة، ستكون على مسار واحد من التطور التقني الذي يحدث في العالم ويوفّر للمشاهد محتوى خاصاً، يعمل على إنتاجه، ولا يكون ضمن سلة البرامج المعروضة على الشاشة. إلا أنّ القنوات عجزت عن استنساخ هذه التجربة، أو الإضافة إليها، نظراً إلى غياب أي استراتيجية عن السباق الحاصل اليوم مع عالم الإعلام الجديد وتحدياته. علماً أنّ lbci سجّلت أخيراً دخولها إلى تطبيق «آبل تي في» كي تحظى بمتابعة لشبكة برامجها ولأرشيفها إلى جانب تطبيقها الإلكتروني الخاص، فكانت أول قناة محلية تخوض هذا العالم، لتستقطب شرائح أوسع خاصة من خارج لبنان.


(دانيال بينوورث غراي ــ المملكة المتحدة)

إذاً بقيت تجربة Pay tv على حالها، في ظلّ تخبط آخر عصف بالشاشات، من خلال طرحها برمجتها الموسمية أكان في الخريف أو في الموسم الرمضاني، المحطتين الرئيسيتين اللتين تتوقف عندهما القنوات سنوياً، للاستثمار وطرح المنافسة. خلال العام الحالي مثلاً، طغى النفس الترفيهي، وإن كانت هذه البرامج، خاصة تلك ذات الميزانية العالية، قد تراجعت عن الشاشة، بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية. حتى إنّ البرامج السياسية دخلت في لعبة الترفيه والإبهار كجزء من محاكاة للتحديات التي تفرضها مشاهدة التلفزيون اليوم، إلى جانب ذهاب المحتوى بأغلبه إلى منحى الإثارة، خاصة الجنسية، ضمن إطار البرامج «الاجتماعية» على وجه الخصوص. لجأ التلفزيون المحلي إلى هذا المكان، بل عزّزه أكثر في الوقت الحالي، نظراً إلى الحاجة الماسة للاستقطاب، في ظل تراجع أعداد الجالسين أمام الشاشة التقليدية.
يضاف إلى هذا الأمر لجوء الشاشات في السنوات الأخيرة، إلى إدخال عامل التفاعلية في البرامج، عبر الطلب من المتابعين المشاركة في الهاشتاغ الذي تطلقه على تويتر، أو في وضع تعليقات وآراء على صفحات البرنامج، وقراءة بعضها على الهواء، كي يشعر هؤلاء أن لهم مكانة، وأنّهم محط اهتمام وآراؤهم لها وزن، عدا إدخال هذه اللعبة في مسار المنافسة مع باقي القنوات، والاتكاء على الأرقام التي يحصدها البرنامج على السوشال ميديا. وإن كانت عالية، فإننا نذهب هنا، أوتوماتيكياً إلى وضع تقييم عال للمحتوى، وهذا الأمر طبعاً مخالف لأي معيار مهني متبع.
ومذ توغل القنوات اللبنانية، في عالم المنصات الافتراضية، ومحاولة تثبيت نفسها داخله، ووجودها بقوة لدى جمهوره الواسع، الذي بات يقضي معظم وقته عليها، وحتى تستحوذ هذه المواقع على يومياته واهتماماته، ظلت الميديا التقليدية، حائرة في جزء منها، خاصة في طرق استقطاب الجمهور. كانت العين ــ كما شهدنا في الفترة الأخيرة ـــ على «نجوم» سطعوا هناك، واستجلبتهم إلى الشاشة. أتت بهم بعدما كوّنوا رصيداً من المتابعين، وأضحى من المجدي، الاستعانة بهم، لرفع نسب المشاهدة للبرنامج. أغلب هؤلاء كانت أداتهم الأساسية، هواتفهم الذكية المحمولة، وتحديداً خاصية الفيديو ونشره لاحقاً على السوشال ميديا.
من مليارات المشاهدات للفيديوات التي يحظى بها الموقع الأزرق يومياً، إلى تحميل موقع «غوغل» (خاصية الفيديو)، لحوالى 300 ساعة كل دقيقة، عبر الهواتف النقالة، من مقاطع الفيديو، واستحواذ «يوتيوب» على أغلب المشاهدات عبر الهواتف الذكية، إلى جانب انضمام أكثر من 500 ألف مشترك يومياً على شبكة فايسبوك، تضحي هذه المنصات قبلة الشاشات التقليدية. نتحدث هنا، عن ظاهرة شهدتها القنوات المحلية، عبر استضافة هؤلاء «النجوم»، أو حتى تخصيص فقرات ثابتة لهم في البرامج. في تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي، سجل أول ظهور للناشطة أمل طالب في برنامج «لهون وبس» (lbci)، بعدما اشتهرت على المنصات التفاعلية، عبر سلسلة فيديوات كانت تنشرها للتعليق بسخرية على مواقف يومية تثير حشرية المتابعين. فيديو الظهور الأول لطالب، سجل إلى الآن نحو مليوني مشاهدة على فايسبوك. سألها وقتها هشام حداد: «أدي عندك فولورز (متابعين)؟»، فأجابته ممازحة: «21 ألف قبل الحلقة». بمعنى أن الرقم سيزداد تلقائياً بعد ظهورها على الشاشة. استثمر حداد في موهبة الشابة البقاعية، وخصص لها أسبوعياً فقرة ثابتة تعلّق فيها على الأحداث بطريقة ساخرة. هكذا وعدها في ظهورها الأول بأنه «سيطير معها على التلفزيون». وبالفعل، اكتسبت طالب شهرة إضافية على lbci، وحظيت بعض فيديواتها بمشاهدات فاقت المليون.
«جعدنيستا» أو ناتالي عرفت على إنستغرام بـ «الجعدنة»، والانتقاد بطريقتها الساخرة

طالب التي لم تسلم من حملات شعواء، سيقت بحقها بعد ثلاثة أشهر من انطلاقتها في «لهون وبس»، وانتقدت على عدم إجادتها للهجة البقاعية، حظيت في المقابل، بانتشار واسع، أوصلها إلى عالم الغناء والاستعراض وإن كان على نطاق ضيق. ففي الشهر الماضي، طرحت أغنية «بلا شو» على «أنغامي»، وصوّرت كليباً غنائياً على موقع «مستقبل ويب»، إلى جانب باقي نشاطاتها المسرحية. ومن طالب إلى عبد الله عقيل، الذي تتقاطع قصته معها، مع فوارق في الخلفية الثقافية، وتقديم المحتوى. عقيل، الذي قادته المصادفة إلى انتشار فيديو له يحكي فيه عن مجموعة نساء في إحدى الحافلات المتوجهة إلى الجنوب، وصل إلى عالم الشهرة، وانتقل من فيديوات خاصة كانت يبثها على صفحته الخاصة، إلى عالم التلفزيون. ظهر عقيل مرات عدة في برامج من ضمنها «لهون وبس»، و«هوا الحرية» (lbci)، وأضحى وجهاً معروفاً ويحظى بمئات المشاهدات والتفاعل على صفحته، خاصة تلك المسجلة بشكل حي (لايف ستريمينغ).
على mtv، وتحديداً «منّا وجر»، شهد الأخير استقطاباً لوجوه مشابهة لمعت على مواقع التواصل، منها من حظي باستضافة ظرفية، وآخرون حجزوا لهم مكانة في البرنامج. نذكر هنا، استضافة «جعدنيستا» أو ناتالي التي عرفت على موقع «انستغرام»، بـ «الجعدنة»، والانتقاد بطريقتها الساخرة. هذه المرأة حظيت بـ15 دقيقة من مساحة البرنامج وقتها، لأجل التعريف عنها، وعن أهداف حسابها الخاص، الذي إن نظر المتابع له، يجد أنها تضع بريدها الإلكتروني وعنواناً لها في حال أراد أحدهم أو أي شركة الاستثمار بما تحظى به من متابعات (أكثر من 200 ألف متابع على انستغرام). البرنامج عينه خصص فقرات ثابتة مع ناشطين و«نجوم» من عالم التواصل الاجتماعي، أمثال وسام كمال (فقرة «تلفزيون أخت المنطق» الساخرة). كمال عرف على حسابه الخاص على «يويتوب» بفيديوات ساخرة، حظيت بمشاهدات عالية. استُجلب إلى عالم التلفزيون، ليجرّ هذه الأرقام إلى «منا وجر». وإلى جانب وسام كمال، أتى أندريه الصايغ، في فقرة ساخرة أيضاً (تفوق الثماني دقائق)، ضمن good deal مع «منا وجر»، كما قال في إحدى المرات.
الجامع المشترك بين هؤلاء السخرية، ومجيئهم من موطنهم الأصلي السوشال ميديا، وتحديداً عالم الفيديوات الحيّة والمسجلة. لجأت الشاشات إلى هؤلاء، بعيداً عن أيّ تقييم لأعمالهم على الصعيد المهني، رغبة بأن تحظى بدورها بنسب مشاهدات عالية، في زمن هجران الشاشة التقليدية، وبروز الفيديو كلاعب أساسي ومؤثر في عالم الإعلام الجديد. هكذا، أدخلت فقرات ثابتة إلى برامجها، وبالتأكيد أدخلت معها إشكاليات حول صناعة المحتوى التلفزيوني، وأثره على الجمهور. محتوى آت في الأصل من عوالم هجينة، تعتمد على مبادئ التفاعلية، والفورية، وحتى غياب أي معيار قد يتقاطع مع التلفزيون ودوره ومسوؤليته الاجتماعية على وجه الخصوص.