يُشَارف «الإسرائيلي» على الانتهاء من أعمال بناء الجدار الإسمنتي قُبالة بلدتَيْ كفركِلا وعديسة الحدوديَّتَيْن. لكنَّ مُراسل «المنار» علي شعيب يواصل «أعماله» التي تهدف لإظهار فكرة الـ«هشاشة» في الجدار ومن خلفها ضعف منظومة الأمن والحماية الإسرائيليتَيْن. منذ اللحظة التي «تَدَافَش» فيها الرجُل مع جنود العدو بُعَيْد ترسيم «الخط الأزرق» في نقطة «العبّاد» في عام 2000 وصولاً إلى مشهد وقوفه أخيراً على مسافة مترين فقط من جنود الاحتلال في رميش، راكم شعيب مخزوناً كبيراً من ثقافة المواجهة الإعلامية و«أدوات» الحرب النفسيّة مع العدو. حفظ «حركة الإسرائيلي» عند الحدود «ظهراً عن غيب» وبات يَعرفُ معنى أن يقوم جنود الاحتلال بأمرٍ ما ودلالة أن يُحجِموا عن فعل آخر. لا يجدُ شعيب مثلاً تفسيراً مُقنِعاً لتركيب «إسرائيل» عدداً من البوّابات الحديديّة في الجدار قرب كفركلا. يسأل: «في حال وقوع الحرب، ما معنى أن يكون في الجدار بوابة؟». أبعد من ذلك: «ما هي العبرة من بناء جدار غير متّصل بطول 13 كيلومتراً فقط على حدود تبلغ مسافتها 120 كيلومتراً بين لبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة؟» يقول شعيب.


علي شعيب: المصلحة الوطنية أهم من السبق الصحافي، وأنا ضد السبق الصحافي بما له علاقة بالصراع مع العدو تحديداً

مِن على تلّة مُشرِفة على أجزاء كبيرة من الجدار الإسرائيلي يشير إلى «اللمسات الأخيرة» التي يضعها العدو على الجدار بعد أن يلتقط مجموعة من الصُوَر التي قد تفيده لاحقاً في «المواجهة الإعلامية» مع جيش الاحتلال. يقول: «انظُر بعينيك إلى الهشاشة في الحدود، يمكن رؤية ومراقبة كل شيء من معظم الجهات تقريباً، تخيّل لَو وقعت الحرب. على مين عم يضحكوا؟» يُجيد شعيب مخاطبة الرأي العام الإسرائيلي كما التصويب على صورة الجندي الإسرائيلي «الخائف». ضِمْن سلسلة تغريداته الأخيرة على تويتر، غرَّد ساخراً: «يبدو أنَّ هناك مستوطنات بسَمنة ومستوطنات بزيت..»، في إشارة إلى المستعمرات التي لا يصِلها الجدار. لم يكتفِ الرجل بتكثيف تغريداته، بل عمد إلى خطوة «هي ليست من صلب مهامي الصحافيّة أصلاً، بل شعوراً مني بأنّني أُم الموضوع وأبوه». إذ علّق يافطة قبالة ورشة الأشغال الإسرائيلية كتب عليها العبارة التالية: «إذا لم يعُد لديكم ثقة بعناصر القوات البرية المهزومة في لبنان، عليكم بضمِّهم لفرق الإنقاذ، ستحتاجون إليهم». في سياق «المواجهة الإعلامية»، يقول شعيب إنَّ مقاربة المشهد على جانبَيْ الحدود تفرض ذاتها. يلتقط صورةً لراعٍ وأغنامه قرب مستعمرة «المطلّة» ناحية سهل الخيام. «هيدي صورة للتنكيت والزَرْزَرَة». يسأل: «مـا الذي يدفع راع كي يصل إلى أقرب نقطة من الحدود سِوى أنّه يشعر بالأمان؟». يرصد التفاصيل هنا وهناك، في المطلّة كما في كفركلا، في مسكاف عام كما في العديسة حيث بنى العدو الجدار في «منطقة التحفّظ الأكبر في خلّة المحافر». يحفظ جغرافيا المستوطنات القريبة كما يحفظ جغرافيا القرى والبلدات اللبنانية الحدودية. «الدراية بتفاصيل الجغرافيا من أهم مواصفات المراسل الميداني»، وشعيب في معرض تأكيده على «الخوف الإسرائيلي» يُعطي مثالاً: «الإسرائيلي (المدني) حين يزور الحدود، يُعطُونه خوذة ودرعاً رغم أننا لسنا في حالة حرب الآن». في المقابل «ما الذي يجذب أهل كفركلا وعديسة ليبنوا بيوتهم وقصورهم في أراض متاخمة للحدود سِوى «مظلّة الردع» التي تؤمّنها المقاومة؟» يسألُ الرجل، مُشيراً إلى أنه «مقابل كل خندق ودشمة هناك، ثمّة صرح أو بيت يرتفع هُنا».

«رحلة صيد» في رامية قبالة «منطقة الأشغال»
يعرِفُ علي شعيب أو «رفيقُ الحدود» كما يقولُ عن نفسِه، كيف يختصر الوقت والمسافات في جولاته و«صولاته» شبه اليومية التي اعتادها منذ قرابة عَقدَيْن في كامل المنطقة الحدودية طُولاً وعَرضاً. يكفي مثلاً أن يتَّصل بـ«الشخص المعني» كي يتجاوز الإجراءات الروتينيّة للدخول إلى «منطقة عسكرية مغلقة». يقول: «يُقدِّر الجيش أهميّة ما أقوم به ويقدّمون كلَّ التسهيلات اللازمة والضرورية لحركتي قرب الحدود». في الطريق إلى بلدة رامية (بنت جبيل)، يشير إلى جبل الجرمق أو جبل «ميرون» مقابل مارون الراس وعيترون، حيث يضع العدو منصّة «باتريوت» في أعلى قمَّة في فلسطين المحتلّة. يقول: «قريباً من تلك المنطقة، سقطت أخيراً طائرة مروحيَّة تابعة لشركة الكهرباء الإسرائيلية بعد اصطدامها بأحد الأعمدة المرتفعة». ما لا يرصدُه شعيب بـ«عدسته» الخاصة يتابعه حتماً عبر الإعلام العِبري ومواقعه الإلكترونيّة. يُحاولُ أن لا يفوته أيّ تفصيل على مقربة من الحدود مع لبنان. يكاد لا يمرُّ حدث أو مناسبة على الجانب اللبناني إلا ويكون له فيه بصمته الخاصة. يحصل أن يتلقّى شعيب اتّصالاً من أحد المواطنين من بلدة ميس الجبل يُخبره فيه أنّ أحد المواطنين قضى غرقاً في بركة البلدة. يثق الناس بالرجُل وبمصداقيَّته المهنيّة، والناس هم رصيده الأساسي على ما يقول: «أعرفُ بأحداث كثيرة من خلال الناس، وأُحاول قدر الإمكان أن أغطّيها لا سيّما في الحالات الإنسانيّة الطارئة».
كانت أمُّه تهرّب السلاح للمقاومين وتأتي لهم بأكياس مادة الـ«تي. أن. تي» أيام الاحتلال

لا ينسى خلال «رحلاته» أن يلتقط صُوَراً لها دلالة أو رمزيّة أو جماليّة. الكاميرا لا تُفارقه البتّة. يمتلك شعيب عينَيْ صقر. على طريق فرعيّة، رَصَد هُدهُداً من مسافة ليست قصيرة. هو «قنَّاص» من نوع آخر. قبل أسابيع قليلة، تمكن من اجتياز منطقة جغرافية وعِرَة ليبلغ منطقة قريبة مقابلة لموقع «الراهب» المُشرف على عيتا الشعب حيث العلم الإسرائيلي يقابل العلم اللبناني على مسافة قريبة جداً. كان الهدف تصوير جزء من دبَّابة الـ «ميركافا» التي «طارت» في عبّوة خلال حرب تموز 2006 وقُتِل فيها أربعة جنود، ولا تزال بعض بقاياها موجودة. قبالة منطقة «الأشغال الإسرائيليَّة» في بلدة رامية، يقف جنديان من الجيش اللبناني وعدد آخر من عناصر الكتيبَتَيْن الإيطاليّة والغانيّة في اليُونيفل وعلي شعيب. ولكن مـا الأمر؟ وفدٌ من قيادة اليونيفل العاملة في الجنوب يزور «الجانب الإسرائيلي» حيث يتابع العدو أشغاله في المنطقة التي أعلن فيها سابقاً عن وجود أحد الأنفاق. لا بدَّ إذاً من أن تكون «الصيدة محرزة» لِصحافيّ مثل شعيب. يلتقط صُوَراً لأدقّ التفاصيل، ويُمارس «لعبته المحبَّبة» في السُخرية من جنود العدو على مواقع التواصل الاجتماعي. يتابع هؤلاء تغريداته وما يعرضه من صور على تويتر. حاول الناطق باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي استدراجه غير مرّة إلى ردّ لم ولن يحصل. يصوّر شعيب جنود الاحتلال في حالات معينة تُظهر ضعف صورة الجندي الإسرائيلي. يأتيه الرَّد الإسرائيلي عبر تويتر أيضاً: «نعرفُ كلَّ شيء عنك».

الصحافي كـ«مصدر مسؤول»
يعود علي شعيب أسابيع إلى الوراء متوقّفاً عند «الضجَّة الإعلامية الكبيرة» التي افتعلها العدو في مسألة الـ«أنفاق» المكتشفة عند الحدود. كان الرجل يدرك منذ البداية أن ما جرى ويجري هو «حربٌ دعائية لغايات سياسية إسرائيلية». كيف كان الرد؟ يرى مراسل «المنار» وإذاعة «النور» أنه كان لا بدّ من «إِشْغال» الإسرائيلي في جبهة إعلامية أخرى، فكانت «مشهدية التحدّي» المعروفة في ميس الجبل، والتي نجح عبرها شعيب ومعه مجموعة ناشطين إعلاميين في جرّ الجميع إلى هناك، وبالتالي في الحدّ من وقع «الهمروجة» الإسرائيلية في مسألة «الأنفاق». في تلك «المواجهة»، ركَّز شعيب على «توهين صورة الجندي الاسرائيلي» عبر مجموعة من «اللقطات» التي تحوَّلت إلى مادّة للتندُّر عبر وسائل التواصل. طيلة مسيرته العمَليّة، لم يشعر شعيب يوماً أنه قد ينجرُّ لردّة فعل غير محسوبة تجاه جنود العدو خلال أوقات عمله. يرى أنّ «مجرَّد استمراري في التصوير، رغم الاستفزازات، هو الردُّ الأفضل». يكاد علي شعيب يُجسّد النموذج المُتكامل للمراسل التلفزيوني الذي يقوم بإنتاج «مادّته» بمفرده من دون الحاجة إلى مُصوّر إلا في حالات الضرورة. في سيّارته أو «شريكة الانتصارات» كما يصفها، يضع كلَّ ما يحتاجه أو قد يحتاجه في «حالات الطوارئ» القصوى من معدات تصوير وتقنيات وأجهزة بث وإضاءة وصوت، فضلاً عن أمور لوجستية أخرى. «عمليَّاً سيّارتي هي مكتب صحافي متنقّل». لا يميل شعيب إلى استخدام عبارة «مُراسل حربي»، فالمراسل التلفزيوني برأيه «يفترض أن يكون حاضراً لكل أنواع التغطيات التي تُطلب منه، لكن هناك من يتخصص في هذا النوع من التغطيات الميدانية». شعيب يرى أن كل مراسل أو صحافي يجب أن يسأل نفسه دائماً عن الجدوى من نشر أيّ صورة أو معلومة. يُدرك شعيب جيداً معنى أن يصير الصحافي نفسه مصدراً للخبر أو «مرجعاً» في أمر أو مسألة ما. «المصلحة الوطنية أهم من السبق الصحافي، أنـا ضد السبق الصحافي بما له علاقة بالصراع مع العدو تحديداً».



سيرة حافلة من حدود الجنوب إلى عُمق «البادية»
لا يزال علي شعيب المولود في برج حمود عام 1970، يذكُر يوم قرَّر أن يغادر مكان إقامته في الشيّاح وينتقل بمفرده للعيش في قريته الشرقيّة (النبطية) عام 1986. «كنت أُحِب الاطلاع عن قرب على حركة المقاومة ضد العدو الإسرائيلي». الرّجُل الذي يُديِن لوالده الضرير والحِرفيِّ البارع بأنّه عزّز بداخله الثقة بنفسه وبقدراته، يذكُرُ أيضاً كيف كانت أمُّه «الثورجيّة» تهرّب السلاح للمقاومين وتأتي لهم بأكياس مادة الـ«تي. أن. تي» في أيام الاحتلال. كان من الطبيعي، في هذا المناخ، أن يتشرَّب علي شعيب في سنٍّ مبكّرة فكرة المقاومة في مواجهة الاحتلال. بدأت رحلته مع الإعلام عام 1992 في إطار ما كان يُعرَف بـ«الوحدة الإعلامية» في الجنوب. كانت أوَّل صورة التقطها للسيد عباس الموسوي في جبشيت يوم اغتياله. والمفارقة أنها كانت آخر صورة للموسوي أيضاً. لاحقاً عمل مصوّراً لقناة «المنار» ومراسلاً لإذاعة «النور» مواكباً الاعتداءات الاسرائيلية في المناطق المتاخمة لـ«الحزام الأمني» السابق. لا ينسى أوّل رسالة مباشرة له على الهواء في حرب تموز 1993 حيث لم يكن لديه حينها أيّ تجربة مسبقة على الشاشة. «بوقتها طلعت ع تلة عنّا بالضيعة وثبّتت الكاميرا وشرحت التطورات الميدانية وختمت الرسالة حينها بموقف مُضحِك». لاحقاً تابع شعيب عمله كمصوّر ومُعدّ تقارير وغطّى حرب «عناقيد الغضب» (نيسان/ أبريل 1996) وصولاً إلى عام 1999 الذي يمكن اعتباره بمثابة البداية الفعلية لمسيرته الحالية.
شكّلت أيام تحرير الجنوب (2000) نقلة نوعية في حياته المهنية، إذ كان شعيب من أوائل الصحافيين الذين دخلوا إلى قرى القنطرة وديرسريان والطيبة وغيرها وسجلوا بالصوت والصورة اللحظات الأولى. «كنّا عايشين بالخيال كإنّو عم نمثّل شي فيلم». يشير إلى واحد من أبرز فصول معركة التحرير بالنسبة له وهي اكتشاف مضخّات الوزّاني التي كانت عبرها تقوم إسرائيل بسرقة المياه. يقول: «حصل الأمر بمساعدة راعي أغنام يعرف المنطقة جيداً وكان دليلاً لي لإنتاج أوّل تقرير تلفزيوني عن المضخّات». رافق شعيب لاحقاً فريق ترسيم الحدود وأنتج وثائقياً بعنوان «حتى آخِر شبر»، وواكب عودة الأهالي إلى قراهم وعملية إعادة الإعمار وتداعيات تحرير معتقل الخيام وقضية الغجر ومزارع شبعا وغيرها. في حرب تموز 2006، بقي علي شعيب مع قلّة قليلة من المراسلين في «القطاع الشرقي» عندما اشتدت وتيرة القصف الإسرائيلي. أصرّ على بث «صور الحياة» تحت وابل النيران من كفركلا وبلدات حدودية أخرى. يقول: «خلال الحرب كانوا الناس يتّصلوا فيّي يقولولي: ضلّك إحكي ما تسكت، إذا بتسكت يعني سقطت المنطقة». في تلك الحرب، كان شعيب يرى أنّ الحرب النفسية هي جزء لا يتجزّأ من المعركة. «كنت شوف وين عم بيكذب الإسرائيلي وروح بث صورة معاكسة. مرّة ادّعوا أنهم دخلوا على سهل الخيام فيما حقيقة الصور كانت من داخل مستعمرة المطلّة حيث يوجد هناك شجر كينا». يضيف: «طلعت عالهوا وقلت اللي بيعرف سهل الخيام بيعرف إنو ما في شجر كينا، كنتُ أريد دليلاً ملموساً على كذب الرواية الإسرائيلية». شكَّلت مواجهة العديسة بين الجيش اللبناني وجيش الاحتلال (2010) واحدة من أبرز محطّات شعيب المهنية والشخصية حيث أُصيب إصابة بالغة في قدمه وواصل في تلك اللحظة تصوير ساقه رغم النزيف الحاد. «لم أكن أريد الوقوع أرضاً أمام الكاميرا وأن يرى الإسرائيلي ذلك». يقرُّ شعيب أنّه تأخَّر نسبياً في اتّخاذ قرار الذهاب لتغطية الحرب السورية لاعتبار متعلّق برأي كان موجوداً حينها داخل «المنار» ولم يكن هو بعيداً عنه، يتركّز حول رمزية مراسل كشعيب بالذات ربطاً بالسؤال الذي كان يردّده بعضهم في بداية الحرب السُورية: هل نقلت المقاومة البندقية من الجنوب في مواجهة العدو الإسرائيلي إلى الداخل السوري؟ مع انخراط المقاومة اللبنانية بشكل أوسع في «الجبهة السوريّة» لاحقاً، كان لا بدّ من الاستعانة بـ«الخبير» علي شعيب. غطّى معارك مفصلية كمعركة حلب بكل «جبهاتها» إضافة إلى معارك في أرياف حماه وحمص فالبادية السورية وصولاً إلى الحدود العراقية. كما شارك مع زملائه في تغطية معارك القلمون والجرود اللبنانية. لم يفكّر شعيب يوماً في أن يحصي عدد رفاقه الشهداء في كل «الجبهات». يقول: «كتار، ولكن الأصدقاء الَلَزم لا يقلّ عددهم عن خمسين شهيداً». لا ينتمي الرجُل إلى ما يسمّيه «مجتمع الإعلاميين المتسلّقين»، ويرى في الجولات الميدانية التي يجريها بين الحين والآخر لعدد من طلاب الإعلام المُتدرّبين «جزءاً من مسؤوليتي المهنية والأخلاقية». بحوزة شعيب أرشيف ضخم من الصور والأفلام المنشورة وغير المنشورة. يفكّر في تنظيم معرض صوَر ويتردّد في تأليف كتاب يضع فيه بعضاً من سيرته، لكن «هل لا زال هناك مَن يقرأ بعد؟».