القاهرة | دعك من الوضع الاقتصادي أو التعديلات الدستورية أو المشاريع العملاقة التي لا يعرف المصريون إن كانت ستقفز بالبلد خطوات إلى الأمام أم ستلقي به إلى القاع. سهير رمزي وشهيرة خلعتا الحجاب! والمذيعة منى فاروق والممثلة الناشئة شيما الحاج رقصتا مخمورتين مع المخرج خالد يوسف! لا تزال قصص الفنانات مع ارتداء الحجاب وخلعه، والتسريبات الجنسية للمشاهير الشاغل الأكبر لمجتمع ممزق نفسياً ومنهار ثقافياً، تلعب بعقله كيانات سياسية ودينية تتصارع من أجل البقاء. لا تزال الحكايات القديمة قادرة على إثارة الدهشة، كما يقول الأديب الراحل يحيى الطاهر عبد الله في عنوان إحدى قصصه الشهيرة. منذ أسابيع، تمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي والفضائيات بالأخبار «الفضائحية» للمخرج وعضو البرلمان المصري خالد يوسف. بدأت القصة بخبر علاقته أو زواجه بفنانة تشكيلية وكاتبة شابة، وانتهت بفيديو الرقص، ووصل الأمر إلى القبض على الفتاتين و«اعترافهما» بأنهما مارستا الجنس الجماعي مع المخرج على أمل أن يمنحهما أدواراً في أفلامه، في الوقت الذي سافر فيه يوسف إلى فرنسا «لقضاء إجازة مع زوجته وابنته» لا يعلم أحد متى سيعود منها. ويربط بعضهم بين «المصائب» التي انهالت على خالد يوسف وبين البيان الذي كتبه على صفحته على فايسبوك، حيث يفنّد ادعاءات من قال إنهم ينتمون إلى الإخوان المسلمين حول دوره في حملة تعديل الدستور، ويعلن أن لا علاقة له بالحملة، وأنه شخصياً غير موافق على التعديلات. كأن «تسريبات» خالد يوسف لم تشبع نهم الثرثرة وإلهاء العقول، حتى خرجت صورة سهير رمزي وشهيرة بدون حجاب، لتقلب الدنيا وتشعل المعارك بين المؤيدين والرافضين، إلى درجة دفعت شهيرة إلى كتابة بيان طويل على فايسبوك تعلن فيه عودتها إلى الحجاب، حتى لا تصبح سبباً للفتنة! كل شيء بدأ بخبر مصوّر شغل مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام طوال الأسبوع الماضي، ظهرت فيه الفنانتان اللتان تقتربان من السبعين بدون حجاب خلال إحدى الحفلات الخيرية لجمع التبرعات لصالح مستشفى للأطفال. يبدو أن «الرأي العام» في مصر لا يشبع أبداً من قصص الفنانات والحجاب. بعدما ظلّت الأخبار لسنوات تحمل أسماء أحدث الفنانات اللواتي ارتدين الحجاب، أصبحت الأخبار اليوم تحمل أحدث أسماء الفنانات اللواتي يخلعنه. لأكثر من ثلاثين عاماً، أي عندما بدأت الموجة منتصف ثمانينيات القرن الماضي، ووصلت إلى ذروتها مع حلول التسعينيات، كانت معركة الفن والحجاب هي الأكثر سخونة وإثارة للحرب بين الحداثة والتخلف، بين العلمانية والخلافة، وكانت أجساد الفنانات دائماً هي أرض المعركة التي يتصارع الطرفان المتحاربان على امتلاكها.

ذات يوم، تفاخر أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين بأنهم كسبوا معركتهم ضد دولة مبارك بنسبة المحجبات في الشارع المصري التي تجاوزت الثمانين في المئة من عدد النساء. المدارس والمصالح الحكومية والقرى كانت هي المجالات التي شهدت النشاط الأكبر للإخوان والسلفيين والجهاديين وغيرهم من الجماعات الدينية السياسية، لكنّ «تحجيب» الفنانات كان الإنجاز الأكثر بريقاً وتأثيراً إعلامياً وسياسياً، خصوصاً أنه ارتبط باعتزال الفن وتحريمه، بل بمحاولة بعض المعتزلات تدمير أفلامهن القديمة أو منع عرضها.
لذلك، عندما عادت بعض الفنانات المعتزلات إلى السينما والدراما والغناء عقب ثورة يناير 2011، حدثت صدمة لكثير من المتابعين الذين ارتبط لديهم تحريم الفن بالتدين، حتى رغم أن معظم العائدات ظللن يحتفظن بحجابهن وبأعمالهن «نظيفة» بدون جنس أو عري أو رقص، مثلما فعلت سهير رمزي وسهير البابلي وصابرين وعبير صبري. أما المغنيات منهن، فعدن لغناء بعض الأعمال الدينية والوطنية كما فعلت عايدة الأيوبي ومنى عبد الغني. بعد فترة، ابتدعت صابرين فكرة الباروكة، أو الشعر المستعار، بدلاً من الحجاب. فكرة أثارت سخرية كثيرين، لكنها شكّلت في النهاية نوعاً من التحايل المقبول اجتماعياً، طالما أنه لا يحمل تصادماً مباشراً مع الأفكار السائدة، مثل فكرة أن من تتحجب لا يجب، ولا يمكن لها، أن تعود إلى خلعه مرة أخرى، كما لو أن خلع الحجاب بعد ارتدائه هو نوع من الردّة عن الدين!
كانت عبير صبري أول فنانة تخلع الحجاب تماماً وتعود إلى تمثيل الأدوار العادية ومنها أدوار الإغراء، وهو ما حدث أيضاً مع إيمان العاصي التي سرعان ما عادت كما كانت بعد فترة حجاب قصيرة. أما آخر اللواتي عدن إلى الظهور بدون حجاب، بعد سنوات من الاعتزال والاختفاء، فهي حلا شيحة. خلع هؤلاء الفنانات للحجاب يأتي وسط موجة اجتماعية ملحوظة، بدأت في أعقاب الثورة وزادت بعد وصول الإخوان إلى الحكم، وتضاعفت بعد رحيلهم. موجة بدأت على استحياء، وقوبلت بصمت خجول، لكنها بدأت تتخذ صوتاً يعلن عن نفسه. كان أحدث أشكال هذا الصوت في الأسبوع الماضي أيضاً حيث قامت بعض النساء من سكان حي «مدينة الرحاب» بالتصوير بدون حجاب تحت عنوان حملة بعنوان «خلع الحجاب في الرحاب»!
الصدمة التي أحدثها «خلع الحجاب في الرحاب» كبيرة، كذلك صورة سهير رمزي وشهيرة اللتين كانتا من أوائل الفنانات المعتزلات وأكثرهن تأثيراً. وبقدر ما كان حجاب هؤلاء الفنانات مؤثراً، بقدر ما يأتي خلعهن له مدوياً، ومشجعاً لكثيرات كنّ يرغبن في خلعه ولم يكن يمتلكن الجرأة على ذلك. ولكن هل هذا برهان على أن المجتمع يمضي في طريق التحرر؟ ليس بالضرورة، ولكنه بالتأكيد برهان على أن المجتمع لم يتغير، ولم يتحرر بعد من التلصص المدمن والمزمن على حياة الآخرين الشخصية، خصوصاً إذا ما كانوا من الفنانين!