الرباط | «يعتقدون أن لا شيء سوف يحدث، فقط لأنهم أغلقوا أبوابهم». بهذه المقولة للكاتب البلجيكي موريس ماترلينك، يفتتح الإعلامي والكاتب المغربي ياسين عدنان كل حلقة من برنامجه التلفزيوني الجديد «بيت ياسين» (إعداد وتقديم ياسين عدنان. المنتج الفني: مشهور أبو الفتوح. إخراج هشام عبد الرسول.) الذي يبث من القاهرة على قناة «الغد» الإخبارية. ويأتي هذا البيت الجديد في ظل تخلّي معظم الفضائيات العربية الإخبارية عن البرامج الثقافية، وانحيازها للمادة السياسية الاستهلاكية.

يتوخى ياسين عدنان تقديم برنامج لديه جمهور، في سياق التدافع الإعلامي من أجل رفع نسب المشاهدة. ويبدو هذا الرهان صعباً أكثر حين يتعلق الأمر ببرنامج ثقافي على قناة عربية. لكن منذ حلقاته الأولى، حقق «بيت ياسين» نسب متابعة ملحوظة، واستطاع أن يربح صداقة المشاهدين عبر مختلف البلدان العربية. ويرجع ذلك إلى أسباب عديدة: فضلاً عن طبيعة الضيوف وتوقيت البث ومكانه، والمضمون المتناغم الذي تخدمه تقنيات الإخراج والإضاءة، هناك الروح الحديثة التي يتميز بها البرنامج. فالحوار هنا ليس كلاسيكياً، بل هو مختلف عما اعتدناه في البرامج الثقافية العربية. هو مبنيّ على ثقافة الاستضافة بالقهوة والشاي، وإعداد وجبة غداء لها علاقة ببيئة الضيف وذوقه، في موازاة مع ما سيقدمه هذا الضيف للمتلقي من وجبة فكرية وفنية. البرنامج هو بمثابة زوم على حياة الكاتب أو الفنان الذي يستضيفه.

رفعت جاهدة وهبة التحدي بقصيدة حسّيّة جداً لأدونيس

إنه نبش في الماضي، واقتراب من خصوصيات الحاضر، واستشراف أيضاً للمستقبل، من خلال مساءلة الضيف عن أحلامه وأمانيه وأعماله المقبلة. استضاف ياسين عدنان في برنامجه المفكر المغربي بنسالم حميش، والممثل المصري عبد العزيز مخيون، والكاتب السعودي عبد الله الغذامي، والكاتب المصري سعيد الكفراوي، والفنانة المغربية كريمة الصقلي، والشاعرة الإمارتية ميسون صقر. ويكشف برومو البرنامج عن عدد من الأسماء التي سيستضيفها البيت في الحلقات المقبلة عبر تنويع جغرافي وفكري واضح، لعل أبرزها أدونيس، مارسيل خليفة، علوية صبح، نصير شمة، خالد الهبر، نوري الجراح، صموئيل شمعون، ابراهيم عيسى، واسيني الأعرج، سعدون جابر، ابراهيم الكوني، يوسف زيدان، شكري المبخوت، وتانيا صالح.
حلقة الجمعة ما قبل الأخيرة كانت مع الفنانة جاهدة وهبة التي أبدت إعجابها بالمكتبة التي يضمها بيت ياسين/ مكان التصوير، وما تحمله من كتب تجمّل خلفية البرنامج كأعمال فرناندو بيسوا وفرجينيا وولف والمتنبي، وصور أم كلثوم و«ناس الغيوان» الذين غنت لهم، في الحلقة ذاتها، مقطعاً من أغنيتهم الشهيرة «الله يا مولانا». وقد اقترحت أن يتاح في كل حلقة لكل ضيف أن يأخذ من خزانة البرنامج كتاباً يحبّه، معتبرة أن «سرقة الكتب حلال». وقد حفّزها «البساط الأحمدي»، الذي يرفعه ياسين كشعار لمناقشة الضيف، إلى الاعتراف بأنها سرقت في ما مضى بعض الكتب. صرّحت جاهدة بأنها تتعامل مع القصائد والأدوار التي تؤديها على أساس أنها «كائنات معشوقة»، كما اعتبرت الغناء شفاءً والصوتَ هوية.



في الحلقة، كسب «بيت ياسين» الرهان، خصوصاً حين رفعت جاهدة التحدي بقصيدة حسية جداً، بل تكاد تكون بورنوغرافية لأدونيس، وأكدت أن الأغنية من الصعب أن «تمرق» في البرنامج، لكن الأغنية أذيعت بل نُشرت على اليوتيوب.
ياسين عدنان استدرج جاهدة أيضاً إلى مراكش، مدينته ومقر إقامته، فجعلها تغني لأحد شعراء مراكش الكبار وأحد رجالاتها السبعة الإمام السهيلي، الذي أدّت له جاهدة في البرنامج قصيدته البديعة التي مطلعها: «يا من يرى ما في الضمير ويسمع/ أنت المعــد لكــل ما يتوقع».
أما حلقة الجمعة الأخيرة، فكانت مع الروائي الكويتي طالب الرفاعي الذي اعتبر أن الكاتب هو صوت من لا صوت له، معترفاً بأن ما قاده إلى الكتابة هو الهمّ الاجتماعي، فالأدب في نظره لا بدّ من أن يحمل في طياته أشياء موجّهة للإنسان. توقف الرفاعي عند خصوصيات المجتمع الكويتي، بحيث رأى أن نصف هذا المجتمع هو يد عاملة غير كويتية، وبالتالي لها تأثير كبير على الحياة الكويتية، تأثير لا يمكن تجاهله. لذلك جاءت بعض أعماله منشغلة بمعاناة العمالة في الكويت، مؤكداً أن هذا النوع من الكتابة لم يأت من باب التعاطف، بل باعتبارها جزءاً منه ومن الحياة الكويتية. عاد الرفاعي إلى بداياته في السبعينات، حين نشر أول قصة وعرضها على أسرته، لم تنتبه الأسرة لنص ولدها ولم تفرح به، بقدر ما فرحت بصورته على الجريدة: «آنذاك أدركتُ كأنهم يقولون لي: هذا طريقك وحدك».

* «بيت ياسين»: كل جمعة 22:00 بتوقيت القاهرة على قناة «الغد»