يتحضّر المحامي أشرف صفي الدين بالتعاون مع مكتب متخصص في قضايا التشهير والإعلام، لتقديم دعوى قضائية في نيويورك، بحق جمعية C4ADS (مركز دراسات الدفاع المتقدمة) وصحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية بتهمة «التشهير والتعدي على سرية المعلومات الشخصية وتلفيق الأخبار الكاذبة». جاء ذلك بعدما نشرت «وول ستريت جورنال» في 27 تموز (يوليو) الماضي، مقالاً أعدّه كل من إيان تالي (متخصص في الكتابة عن شبكات التمويل غير المشروعة والإرهاب) ونزيه عسيران (لبنان)، وآسا فيتش (متخصص في مجال الاقتصاد والاستثمار) من مكتب الصحيفة في دبي، حمل عنوان «الولايات المتحدة تحقق في شبكة تجارية بسبب صلات مزعومة مع مناصري حزب الله»: U.S. Probes Web of Businesses for Ties to Alleged Hezbollah Supporters.

بوليغان ـ المكسيك

استند المقال إلى دراسة نشرت على شكل تقرير لـC4ADS (جمعية تتخذ من واشنطن مركزاً لها، لا تتوخى الربح وتعنى بتقديم خدمات وتحقيقات أمنية يديرها بعض المستشارين منهم ضباط متقاعدون مع عدد من خبراء المعلوماتية، وهي تعتمد على مساهمات الشركات الكبرى واللوبيات لتغطية الأجور الخيالية التي تسددها لهم). حمل التقرير الذي نشر في 12 حزيران (يوليو) عنوان «قصور من رمال: تعقّب عملية التهرب من العقوبات من خلال سوق دبي للعقارات الفخمة»، يتوزع في أجزائه على بلدان مختلفة (سوريا، المكسيك، إيران، باكستان، لبنان) ويتحدث عن الإتجار بالمخدرات، وتبييض الأموال، ودعم الأنشطة الإرهابية، وانتشار الأسلحة النووية، ويخص بالذكر دبي، المدينة الأكبر في الإمارات، معتبراً أنها تضم سوقاً واسعاً «لتبييض الأموال». ويخصص في نهايته قسماً خاصاً لما أسماه «شبكة أمهز»، التي «تملك البنية التحتية الكافية لتحرّك كميات ضخمة من المال»، كما أورد. وأشار إلى ما أسماهم كيانات وأشخاصاً خاضعين لعقوبات وزارة الخزانة الأميركية، يستخدمون شركات وعقارات كواجهة «للتهرب من العقوبات». الجزء الأول من التقرير أثار ضجة في الولايات المتحدة الأميركية والعالم العربي وقتها، وتناولته وسائل إعلام عدة من دون طرح «وول ستريت» للموضوع. بعد مرور شهر ونصف الشهر، عادت الصحيفة لتنشر مقالها المذكور آنفاً، مركزةً على القسم الأخير من التقرير (شبكة أمهز)، مع ذكر أسماء اللبنانيين «المشكوك فيهم» بنظرها، من ضمنهم المحامي أشرف صفي الدين. المريب في هذا «التحقيق الصحافي» أنّه استند إلى تقرير للجمعية الأميركية المذكورة.
في اليوم عينه، قام موقع «درج» الإلكتروني (يديره الصحافيان ديانا مقلد وحازم الأمين) ـــ الذي يدّعي أنه يعطي «القصة الثالثة» للقارئ بعيداً عن لغة الاستقطاب ـــ بنشر ترجمة حرفية لمقال الصحيفة الأميركية، من دون إجراء أي مسافة نقدية مهنية. أمر لا يبدو مستغرباً، كون الموقع الإلكتروني، يستهدف بطبيعة الحال ــ من خلال المواد المنشورة على متنه ـــ بيئة حزبية معينة ويرصد كل ما يدور في فلكها. صفي الدين الذي ذكر بشكل أساسي في آخر تقرير لـ C4ADS، كان قد تعرّض لخديعة واضحة من مراسل «وول ستريت جورنال» في بيروت، نزيه عسيران. الأخير كان قد طلب منه موعداً للقائه للبحث في معلومات C4ADS قبل صدور التقرير، فما كان من المحامي اللبناني إلا أن وضع بين يديه المستندات التي تدحض مزاعم تورطه مع أشخاص وهيئات فرضت عليها العقوبات الأميركية، على رأسها آل أمهز المدرجين على لائحة «وزارة الخزينة الأميركية» منذ عام 2014. صفي الدين الذي عمل مع أمهز 12 عاماً، كأحد محامي شركاته، اضطر آنذاك ــ أي منذ أربع سنوات ـ إلى وقف تعاونه معهم بعد إدراجهم على لائحة العقوبات الأميركية، نظراً إلى كون المحامي اللبناني مواطناً أميركياً لا يحق له التعاون معه.
إذاً، تعرّض صفي الدين لخديعة من عسيران، الذي حرّف كلامه، ونشر مضموناً آخر في صحيفته، ضارباً بعرض الحائط الأمانة المهنية. أمر أثّر في بادئ الأمر على عمل صفي الدين، ومصالحه، حتى إن بعض الموكلين قرروا الابتعاد عنه، وفسخ عقودهم معه على خلفية ما نشر. سارت الأمور بشكل أفضل، بعد تقديم صفي الدين تفسيراً لما حدث واقعاً. وفي معرض شرحه عما حدث، يقول صفي الدين لـ «الاخبار» بأن الادعاء القضائي على وسيلة إعلامية في الولايات المتحدة ليس سهلاً، فـ «حرية الإعلام جداً مقدسة، إلا في حالات نادرة تتوافق مع ما حصل معه بالتحديد». لذا فإن استناد «وول ستريت جورنال» ومن معها من المترجمين العرب إلى دراسة اشتركت هي من خلال مراسلها في بيروت مع C4ADS في فبركته بين 5 و11 حزيران (يونيو) (بغية التعرّض بالسوء لموكلي وأصدقاء المحامي صفي الدين لا علاقة لأحد منهم بالآخر سوى أنه المستشار القانوني لهم)، تكفي بحدّ ذاتها لملاحقة الصحيفة بتهمة «التشهير» ومخالفة القانون الأميركي المتعلق بالخصوصية الذي يحميه أيضاً كحامل للجنسية.
وهنا أشار المحامي صفي الدين إلى إصرار «وول ستريت جورنال» على التسويق الفاضح لمضامين الجمعية الأميركية من خلال نشر تقارير صحافية، تحرّف الوقائع المعروفة والموثّقة في الصفحات الإلكترونية التي يمكن لأي كان أن يحصل عليها. فشركة Palantir التي تبيع نظام تحليل المعلومات إلى أجهزة المخابرات الأميركية والعالمية، إضافة إلى نظامها الخاص بالمصارف والمؤسسات المالية، تعاني من منافسة حادة مع شركات أخرى وهي على حافة طرح أسهمها للعموم في الأشهر القليلة. لذا، تحاول الأخيرة تخطّي قوانين صارمة تمنعها من تسويق داتا المعلومات الخاصة، من خلال التعاقد مع C4ADS (مجاناً مقابل التسويق لها). ويبدو أنّ الجمعية أخذت على عاتقها تسويق هذه الداتا بطريقتها من خلال الإعلام ومنه «وول ستريت جورنال». ففي مقال الأخيرة بعض التضخيم الكاذب والمقصود بشأن إنجازات منظمة الدراسات ومن ورائها «بالانتير». إذ ذكرت أنّه في عام 2016، نشرت الجمعية الأميركية تقريراً يتهم الشركة الصينية «داندونغ هانغشيانغ» للتنمية الصناعية بتمويل المشاريع النووية لكوريا الشمالية. وبناء على مضمون هذا التقرير، فرضت الولايات المتحدة آنذاك عقوبات على الشركة بعد مرور ثلاثة أشهر فقط على صدور التقرير.
إلا أن حقيقة ما حصل وقتها، أنه تمت هندسة التقرير المذكور بالتعاون مع مؤسسة كورية تم إخفاء اسمها في المقال. وقد نُشر التقرير قبل خمسة أيام فقط من العقوبات، مما يؤكد على أنّ الأخير آنذاك قد استند إلى تسريبات في تحقيقات تجريها أجهزة الولايات المتحدة مع أخرى تتصل بالتحقيقات الصينية الرسمية لا العكس. إذ إن نوع هذه القضايا في ما خص العقوبات الأميركية والقضاء الأميركي، لا يحركهما مقال أو دراسة عمرها خمسة أيام، بل تحقيقات طويلة تمتد لأشهر وأحياناً سنوات. هذه المرة قامت الجمعية بالتسويق لنفسها عبر نشر أسماء شخصيات وهيئات وكيانات اقتصادية، وربطها بالإرهاب وتبييض الأموال.
تورطت «وول ستريت جورنال» وبعدها موقع «درج» في عملية تشويه سمعة وبث أخبار غير موثوقة


ربط صفي الدين ـــ من خلال التقرير والتحقيق الصحافي المنشور ـــ بـــ«شبكة أمهز»، بطبيعة الحال، يعود إلى جمع الداتا السابقة، من دون التدقيق في الوقائع (الاستناد إلى شركتين مقفلتين). صحيح أن الأخير، دخل مع أمهز وعدد من المستثمرين عام 2007، في شركة «ليبان ستارز» (مقرها بيروت لبيع وشراء هواتف خلوية)، لكن هذه الشركة لم تعمل في الحقيقة، ولم يحرّك حسابها من المصرف، حتى تاريخ شطبها كلياً من السجل التجاري حصل عام 2017. أما الشركة الثانية Special Operation Group، التي تأسست عام 2013، قبل 18 شهراً من إدراج أمهز على «قائمة العقوبات»، ومهمتها «استيراد السلاح» للحكومة اللبنانية، فكان أمهز قد دخل فيها شريكاً غير إداري. وهي بطبيعة الحال لم تعمل، بسبب رفض المصارف اللبنانية إبقاء حساباتها لديها. علماً أن أمهز قد تخلّى عن أسهمه فيها قبل العقوبات واسمه مشطوب منها لغاية تصفيتها عام 2017.
هكذا، يزال القناع عن وسائل إعلام ومواقع إلكترونية ومواقع بحثية، تتحرك تبعاً للأجندة السياسية الأميركية والإسرائيلية والنفعية. من نيويورك إلى بيروت، خطّ واحد يجمع هؤلاء، على أرضية الخديعة والنقل الببغائي للمعلومات من دون التدقيق في صحتها، وإلحاق الضرر بأشخاص وكيانات اقتصادية، وتوريطهم في قضايا تضرّ بسمعتهم، حتى على المدى الطويل.