لندن | فقد الأدب الإنكليزي المعاصر نجمته هيلاري مانتل (1952 – 2022) الخميس الماضي بعد أيّام قليلة على إصابتها بسكتة دماغيّة. وأكّد بيل هاميلتون، وكيلها الأدبي نبأ وفاتها في «مستشفى إكستر» في إنكلترا، مشيراً إلى أنّ صاحبة الثلاثيّة الشهيرة عن حياة توماس كرومويل لم تترك أيّ أعمال جديدة يمكن أن ترى النّور.

ونشرت مانتل في مسيرتها 17 عملاً روائيّاً بداية من عام 1979، إضافة إلى قصص قصيرة ومسرحيّات ومراجعات كتب ومقالات، وألقت محاضرات تذكاريّة عدة نقلت على أثير «بي. بي. سي» عبر العالم، لكنّ شهرتها طبقت الآفاق عندما قدّمت «قاعة الذئب» التي حازت عليها جائزة «بوكر» عام 2009 وتحوّلت إلى عمل تلفزيوني أنتجته «بي. بي. سي». تحفة الأدب التاريخي المستوحاة من حياة توماس كرومويل، كبير مستشاري بلاط الملك هنري الثامن، استمرت تالياً في «استدعاء الجثث» وحازت عليها «بوكر» عام 2012، واختتمت بـ «المرآة والضوء» التي اختيرت للقائمة الطويلة لـ «بوكر» عام 2020. وقد ترجمت الثلاثيّة إلى 41 لغة إلى الآن وباعت أكثر من خمس ملايين نسخة، واستوحيت منها أعمال مسرحيّة عرضت على أهم خشبات لندن ونيويورك، وكرّست مكانة مانتل كسيّدة للخيال التاريخي في الأدب المعاصر المكتوب بالإنكليزيّة.
ولدت مانتل في أسرة فقيرة إيرلنديّة الجذور، في قرية غلوسوب الصغيرة، وعاشت طفولة صعبة بعدما افترق والداها، وعانت دائماً من مشكلات صحيّة ربما منعتها لاحقاً من الإنجاب. وقد قُبلت للدراسة في «كليّة لندن للاقتصاد» النخبويّة، لكنّ ظروفها الماليّة أجبرتها على الانتقال إلى «جامعة شيفيليد» حيث تعرفت إلى زوجها المستقبلي، مهندس الجيولوجيا جيرالد ماكيوان. وبعد تخرّجها، احترفت التعليم، ورافقت زوجها عند سفره للعمل في بوتسوانا والسعوديّة خلال سبعينيّات القرن الماضي.
من خبرة عيشها في جدّة (غرب السعوديّة) كتبت «ثمانية أشهر في شارع غزّة»، رواية واقعية عن حياة النساء في مملكة الرّمال وصفت فيها قسوة النظام وفساده، وهيمنة المال على العلاقات الإنسانيّة، وفضول جيرانها المحليين، والفراغ القاتل الذي وجدت نفسها في لجّته بينما تنتظر في شقتها عودة زوجها خبير الطوبوغرافيا من عمله، فكأنّها في موازاة ما يضعه زوجها من خرائط للأماكن في المملكة، ترسم هي خرائط لمساحات الظلام فيها.
أبدعت مانتل في ما اعتبره النّقاد لغةً جديدة بعثت الحدث التاريخي وشخصياته من البعد الواحد لصفحات الكتب، إلى أبعاد ثلاثة في منطقة التقاطع المعقَّدة بين الحقيقة، والتاريخ، والخيال، مع تلوينها بظلال مكثّفة من تنويعات المشاعر الإنسانيّة المضطربة.

وصفت كيت ميدلتون بـ «مانيكان» تُستخدم لتقديم الدّور المتوقع من نساء السلالة الملكيّة


حصلت على أوسمة وألقاب شرفيّة من العائلة المالكة في بريطانيا، لكنّها كانت قاسية في نقد كل أشكال السلطة في بلادها، سواء الكنيسة أو الملكيّة أو حزب النخبة المهيمنة ـــ المحافظين ـــــ ولم تحبّ يوماً أجواء الصالونات الأدبيّة في العاصمة لندن، فسكنت في قرية بودلي سالترتون النائية على ساحل ديفون. وقد أثارت جدلاً واسعاً مرّات عدة، لا سيّما عندما وصفت كيت ميدلتون، عقيلة الأمير ويليام (وريث العرش بعد الملك تشارلز الثالث) بأنّها عديمة الشخصيّة وأشبه بـ «مانيكان» بلاستيكية تُستخدم لتقديم الدّور المتوقع من نساء السلالة الملكيّة في نظر الجمهور. كما أثارت الجدل حين كتبت قصّة قصيرة عن محاولة اغتيال رئيسة الوزراء الراحلة مارغريت تاتشر عرّت فيها دواخل حزب المحافظين، وجشع سياسيّيه. وقد كانت من أشدّ الأصوات المناهضة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست)، واعتبرته انتصاراً للشعبوية المبتذلة، وقررت مع زوجها، قبل أن يعاجلها الموت، أن تنتقل للعيش في جمهوريّة إيرلندا، حيث ينتمي أجدادها.