يدخل كتاب الناقد محمد صابر عبيد «الفضاءُ الرحليُّ السيرذاتيُّ في قصيدة النثر/معماريّةُ التشكيل الشعريّ الملحميّ في «دفتر العابر» لياسين عدنان» في نسق نقدي جديد، يبدأ بصوغ فضاء مختلف للغة النقديّة التي تمثّل أسلوب الناقد في قراءة النصّ الشعري المتميّز، ضمن سياق حيويّة منهجية تضاعف من طاقة الأسلوب في خصوصيته التعبيرية القادرة على احتواء النص والكشف عن جمالياته. يقول عبيد في مقدّمة كتابه ما يعبّر عن هويته النقدية في مقاربة قصيدة النثر العربية، وقد أخذت مناحيَ شتّى اختلفت باختلاف الأرض الشعرية والشخصية الشعرية والتجربة والوعي الشعريين، إذ يقول «كتابنا الموسوم «الفضاءُ الرحليُّ السيرذاتيُّ في قصيدة النثر»، تتضح رؤيته البحثيّة بعنوانه الثاني المُكمِّل نظرياً: «معماريّةُ التشكيل الشعري الملحمي في «دفتر العابر»، لياسين عدنان»، يتحرّر في ممارسته النقديّة الحرّة من أيّ مرجعيّة نقديّة خاصّة بمقاربة قصيدة النثر العربيّة على المستويات كلّها، مثلما تتحرّر أيضاً من مرجعيتنا النقديّة الخاصّة المتمثِّلة في كتبنا في نقد الشعر بعامّة وفي نقد قصيدة النثر على وجه الخصوص» في السبيل إلى ابتكار منهجية جديدة في التفاعل مع التجارب ذات الهوية الجديدة المغايرة مثل تجربة ياسين عدنان الشعرية.

وقد انتخب الناقد من تجربة ياسين عدنان، كتابه الشعري «دفتر العابر» ميداناً لقراءة نقدية تتلاءم مع حساسية التجربة وجدّتها، فهو يقول في مقدمة كتابه: «ينفتح كتاب «دفتر العابر» الشعري ذو الطبيعة التي ارتأينا وصفها بـ«الملحميّة» على أجواء ومساقات وطبقات ومقامات وظلال وزوايا ونوافذ كثيرة، فشعريته تستجيب أولاً وآخر لمعماريّة التشكيل الشعري الملحمي من حيث الاشتباك والتقاطع والتعاضد والتفاعل والتداخل، وتتمخّض عن فضاء رحليّ سيرذاتيّ بالمعنى الذي يجعل منها قصيدة سفر ينهض بها شاعر راحل وعابر ومسافر ومغامر، يحكي سيرته الذاتيّة في هذه الرحلات شعراً»، بما يجعله يبتكر هذه المصطلح الجديد وهو الناقد المغامر في قضية ابتكار المصطلحات التي تخصّ عمله النقدي، فهو لا يتحرّج من ابتكار المصطلح الملائم لمقارباته النقدية كلّما وجد سبيلاً إلى ذلك حين لا يجد مصطلحاً يستجيب لرؤيته النقدية المنهجية، وهذا المصطلح «الفضاء الرحلي السيرذاتي» يُعدّ مصطلحاً جديداً في فضاء محمد صابر عبيد الاصطلاحيّ بوصفه صاحب أوّل معجم لمصطلحات السيرة، بما يحقق له قصب السبق في جهد نقدي اصطلاحي شديد الأهمية والحضور والدقة. ثم يجعل من مقدمته بياناً نقدياً ينطوي على جملة من المفاهيم الجديدة التي تضيف إلى تجربته النقدية ما يجعله في طليعة نقاد قصيدة النثر العربية، وأحد أكبر المبشّرين بجمالياتها ومستقبلها وفضائها الشعري البديل. وتكشف مقدمته لهذا الكتاب عن وعي وإدراك ومعرفة بخصوصية هذه القصيدة وحيويتها في مجال القصيدة السيرذاتية قائلاً: «كتاب «دفتر العابر» هو قصيدة سيرذاتيّة مخصوصة بالسفر في رحلات يقوم بها الشاعر ياسين عدنان، وثمّة عدد لا بأس به من العناصر الميثاقية القرائية التي تؤكّد سيرذاتيّة السرد الشعري في القصيدة، سيجري التّنبيه إليها في حينه لتوكيد علاقة الراوي الذاتيّ الشعريّ بشخصيّة الشاعر الحقيقيّة، على النحو الذي يجعلنا نتناول القصيدة على هذا النحو التوصيفي الاصطلاحي بما يجعل آلة النقد القرائيّة تنطلق من هذه الرؤية في مقاربة القصيدة، بقوّة السَّند الميثاقيّ وقرينتِه الشخصيّة التَّسمويّة والمكانيّة والمرجعيّة وغيرها»، على النحو الذي يؤكّد صحة اختياره الاصطلاحي الذي يمثّل هذه الظاهرة الشعرية التي يرصدها بقوّة ودقة ومعرفة.

إضاءة على مجموعة من المقاربات النظرية حول قصيدة النثر


تناول كتاب عبيد قبل الدخول في ميدان «دفتر العابر» لياسين عدنان، مجموعة من المقاربات النظرية حول قصيدة النثر، بدأها بـ«مدخل في أسئلة قصيدة النثر: الواقع والإشكاليّة»، ثمّ «قصيدةُ النثر: توابلُ الكلام» و«قصيدةُ النثر فضاءً رؤيوياً»، كي يفتح السبيل المنهجي للتوغل في أفضية هذا الكتاب الشعري وقد رصد فضاء العتبات لما لها من أهميّة ميدانية قصوى هنا، ابتداءً من «فضاءُ العنوان: سيمياءُ التعبير» وقد أتى على عتبة العنونة، وانتقل بعدها إلى عتبة الإهداء في مبحث عنوانه: «فضاءُ الإهداء» منتهياً إلى عتبة التصدير بعنوان: «فضاءُ التصدير»، وبهذا يكون قد قارب أهم العتبات التي قدّمها «دفتر العابر» لياسين عدنان وكان لها تأثير حيوي وظاهر في البنية العامة للخطاب الشعري.
توزّعت الدراسة النقدية حول ديوان «دفتر العابر» على طبقات قرائية انتخبها الناقد بعناية نقدية بالغة استجابة للصوت الشعري المميّز في الديوان، فكانت الطبقة النقدية الأولى باحثة في «صورةُ الرحلة الشعريّة: فضاء التفاصيل»، والطبقة النقدية الثانية فاحصة «فضاء المحكي الشعريّ: جدل السرد والحوار»، وتدخّلت الطبقة النقدية الثالثة في جوهر «القصيدة الرحليّة السيرذاتيّة: جدل المكان والشخصيّة»، وتفاعلت الطبقة النقدية الرابعة مع «الفضاء الشعريّ الرحليّ وتجلّيات الآخر»، وكشفت الطبقة النقدية الخامسة في الكتاب عن «المشهد الشعريّ الرحليّ: الاسترجاع والتوطين»، واستلهمت الطبقة النقدية السادسة «فضاءُ دراميّة الشعر ومسرحةُ القصيدة» واختتمت الطبقة النقدية السابعة والأخيرة تجربتها النقدية الخصبة بـ«فضاءُ الخاتمة الشعريّة».
يكون الناقد محمد صابر عبيد بهذا الكتاب النقدي البالغ الفصاحة جمالياً، قد أنجز ما يمكن وصفه بإضافة نقدية لتجربته في مقاربة قصيدة النثر العربية، ولا شكّ في أنّ نوعية تجربة الشاعر المبدع ياسين عدنان كانت أحد أسباب هذا التألّق النقدي، على صعيد اللغة النقدية الخاصّة وعلى صعيد حيوية المنهج وخصبه وفعّاليته وثراء نتائجه.