القاهرة | صدر أخيراً كتاب «التدخين في مصر في القرن التاسع عشر» (الهيئة العامة للكتاب- القاهرة) وهو عبارة عن رسالة الماجيستير للباحثة رحاب شعبان الدماطي (كلية الآداب ـــ قسم الآثار الإسلامية). سبقت هذا الكتاب دراسة أخرى للباحثة هيام صابر بعنوان «الدخان والمجتمع المصري في النصف الثاني من القرن التاسع عشر» نُشرت أيضاً في «الهيئة العامة للكتاب» عن سلسلة تاريخ المصريين. اهتمت كلتا الدراستين بالقرن التاسع عشر لأنّه الحقبة التي انتشرت فيها تجارة الدخان، وأحدثت تحولاً كبيراً في شكل وأدوات التدخين، إلى جانب الأهمية الاقتصادية والثقافية التي رافقت هذه التجارة، بدايةً من اقتصارها على الهنود الحمر في أميركا اللاتينية وصولاً إلى انتشارها في جميع أنحاء العالم، ليصبح التدخين طقساً لتحسين المزاج أو مصاحباً لليالي السمر في الشرق.

جان ديسكارت ـ صانع المعادن (من الكتاب)

تدلّل الدماطي في دراستها على أنّ التدخين كان منتشراً في الدولة الإسلامية قبل القرن التاسع عشر، حيث اكتُشفت «نرجيلة» مزخرفة بالنقوش موجودة الآن في «متحف الفن الإسلامي» تعود إلى عصر الدولة الصفوية. كما أنّ هناك حفائر تمّت بين عامَي 1755 و 1756 في مدينة أوست، اكتشفت وجود أطلال لمصنع كان ينتج الشبك (قصبات التبغ)، بالإضافة إلى حفائر البعثة اليابانية عام 1994 في وادي الطور، وحفائر البعثة الفرنسية عند القلعة عام 2000، اللتين أثبتتا وجود مجامر خاصة بالشبك تعود إلى الفترة ما بين القرن الـ 16 إلى القرن الـ 19 الميلادي.
محمد علي وعائلته حرّما زراعة الحشيش بعد تقارير رُفعت إليهما بأن النبات الجديد أثّر سلباً في صحة المصريين واستُخدم كمخدِّر


راجت في مصر صناعة التدخين، خاصة بعد ولاية حكم محمد علي. إلى جانب كونه جندياً في الجيش العثماني، كان علي تاجراً للتبغ، ووعى جيداً المكاسب الجمّة لهذه التجارة ومدى ملاءمة الأرض المصرية لزراعتها وقصر دورة النبات وغزارة إنتاجه. إلى جانب التبغ، أدخل محمد علي زراعة الحشيش الذي أراد استخدامه لصناعة الحبال والتيل بديلاً عن الكتان. وبالفعل كان يوكل للنساء في الدلتا استخدام أمشاط نبات القنب التي توزعها الحكومة عليهن لاستخدامها في الغزل والنسيج. إلا أنّ محمد علي وعائلته حرّما زراعة الحشيش بعد تقارير رُفعت إليهما بأن النبات الجديد أثّر سلباً على صحة المصريين واستُخدم كمخدّر. النبات الثاني الذي زرعه محمد علي هو الأفيون الذي استقدم بذوره من آسيا، وجلب بعض الأرمن الخبيرين في زراعته، وكان يُزرع في الصعيد. لكن قبل ذلك، ذكر كوهين العطار (القرن الثالث عشر الميلادي) في كتابه «منهاج العطار» أنّ أفضل أفيون كان يُزرع في مصر في منطقة أبو تيج في أسيوط وبلدة قاو في وسط صعيد مصر.

غلاف الكتاب

انحسرت زراعة الأفيون والحشيش، وظلت زراعة التبغ هي السائدة، إلى أن أبرم الخديوي توفيق اتفاقية مع اليونان بضغط بريطاني، لاستيراد التبغ اليوناني بجمارك إنكليزية. وبذلك، أصدر قراراً يجرّم زراعة التبغ على الأراضي المصرية. وفي عهد سعيد باشا، أصبحت مصر سوقاً دولياً لتجارة السجائر التي راجت بسبب سهولة استخدامها عكس النرجيلة أو الشبك التي تحتاج إلى طقوس معينة. لكن السجائر لا تحتاج إلى الكثير من الوقت، ما ساعد العمّال على التركيز في أشغالهم. ونظراً إلى سهولة هذه الصناعة مع توافر السوق الكبير، فقد أقبل الشوام واليونانيون والأرمن على تصنيع السجائر، وأسّس اليوناني نستور جيناكليس عام 1864 أول «فابريقة» (مصنع) لتصنيع السجائر. وتبعه الكثير من الأرمن والشوام واليونانيين في افتتاح العديد من المصانع الصغيرة التي كانت تعتمد في البداية على الصناعة اليدوية ومئات العمال والإنتاج حسب الطلب.
كازل ليبرت أوغست لنتر ـ مشهد الحياة اليوميّة في الحرملك

توضح هيام صابر في دراستها بأنّ دخول الآلات في إنتاج السجائر كان سبباً في إضرابات عمال الدخان يومَي 25 و26 آب (أغسطس) عام 1889. لكنّ هذه الاحتجاجات خمدت بسبب عشوائيتها وعدم تنظيمها، لكنها كانت نواةً لأكبر إضراب في تاريخ الطبقة العاملة المصرية عام 1899، برز فيها دور العمّال الأجانب لما تمتعوا به من حماية قنصلية للأجانب.
اعتمدت دراسة الدماطي على وثائق من المحاكم الشرعية وسجلّ التجار وحجج رسمية من وزارة الأوقاف لتعرف مدى انتشار تجارة التدخين في مصر التي بيّنت أنها كانت منتشرة في كل أنحاء مصر ومملوكة لرجال ونساء أُطلق على كل منهم اسم «الدخاخنية» ولهم طائفة أقرب إلى شكل «النقابة» تنظّم حركة البيع والشراء، وكان مقرها يقع في منطقة منوف بعيداً عن العاصمة.
علبة من الخشب لحفظ التبغ ـ متحف جابر أندرسون (من الكتاب)

وضمّت الدراسة ملحقاً ثَرياً يستعرض أماكن المقاهي وصيغاً للعقود المبرمة لفتح هذه الأماكن التي كان غرضها الأساسي هو التدخين. كما ضمّت صوراً لأدوات التدخين من المتاحف المختلفة، ولوحات للفنانين المستشرقين مثل جان ليون جيروم، وايجن جيراد، فرانك ديلون، فريدريك جودال وأميدو برسيوسي وغيرهم. وهذه اللوحات اهتمت بإظهار الجانب الحسي في حياة المصريين، مبرزةً الأجساد النسائية والرجولية وهي تدخّن مرتاحةً في مخادعها، وقد أضفت عليها الألوان جانباً من السحر والغرائبية في عالم مغاير.
تبيّن هاتان الدراستان ما للتدخين من حضور قوي في المجتمع المصري منذ قرون مضت حتى الآن. بحسب تقارير صدرت عن «الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء» فإنّ عدد المدخنين المصريين حالياً قد يتخطّى الـ 30 مليون شخص وهي أكبر نسبة في دول العالم.