«السرقة من العرب: كيف شكّلت العمارة الإسلامية أوروبا» (Stealing from the Saracens: How Islamic Architecture Shaped Europe ـــ هورست أند كو ـــ 2020) مؤلّف غزير في معلوماته وجديد في مداه، أثرته الكاتبة ديانا دارك ـــ وهي مستعربة إنكليزية درست العربية في «جامعة أكسفورد» وقضت ثلاثة عقود في التنقّل بين دمشق ولندن ولها مؤلفات أخرى إضافة إلى مقالات متخصّصة ـــــ بمجموعة كبيرة من المصوّرات، ما منحه هيبة علمية خاصة. قبل ذلك، لزاماً عليّ التعرض لترجمتي عنوان هذا المؤلف، لأنها تختلف عن ترجمات أخرى في عروضه وعما قالته الكاتبة في أحد اللقاءات التلفزيونية معها. فقد راجعتها بخصوص العنوان وسألتها عن سبب عدم وضع الترجمة الدقيقة للمفردة Saracens، فأجابتني بأنّ هدفها التهكّم/ تورية تهكّمية (Irony)، أي أنّ الأوروبيّين الذين أطلقوا على العرب والمسلمين صفة «سارقين»، التي لُتْيِنَت إلى Saraceni، وهي مفردة لا أصل لها في تلك اللغة، هم أصلاً سارقون. صحيح أن أوروبا «المسيحية» منحت المفردة بعداً آخر ليعني المسلمين عموماً في عصور لاحقة، لكني آثرت استخدام المعنى الأصلي للمفردة، ذلك أن الكتّاب المسيحيين في أوروبة بدأوا في أوائل القرن الخامس بمساواة الـ Saracens بالعرب.

كما أود توضيح أنّ استعمال التعبير «المسيحيون» هو التزام بحقيقة أنّ قدماء الكتّاب الأوروبيين ذوي العلاقة، كانوا من رجال الكنيسة الغربية، وأنّ استعمال التعبير «العرب-المسلمين» مرتبط بحقيقة أنّ معظم المباني المشار إليها كانت إسلامية، مع أنّ بعض من شارك في هندستها، كان من غير المسلمين وفي مقدمتهم السريان.
أثار عنوان المؤلف الأصلي سلسلة طويلة من ردود الفعل في الصحافة البريطانية الورقية، وفي مواقع الفضاء الافتراضي على نحو خاص، حتى قبل صدوره. انقسم الكتّاب بين أغلبية موافقة، وأقلية معترضة على بعض النقاط الجوهرية فيه، لكن من دون التقليل من كمّ المعلومات الذي يحويه وعمق معارف الكاتبة أيضاً.
قالت الكاتبة إنّ ما أيقظ فيها الرغبة في كتابة هذا المؤلّف، هو الدعاية الكبيرة التي ارتبطت بحريق كنيسة نوتردام «المنارة العريقة في الحضارة الغربية... وصرح الحضارة (القوطية) المسيحية (الغربية طبعاً – ز م)» وتورد اقتباسات لكتّاب ومهندسين أوروبيين شهيرين من عصور مختلفة تتمسك بالجوهر المسيحي للطراز القوطي «الذي يمثل التراث الأوروبي المشترك»، لكنها تقول إنه من المشروع السؤال عن مدى أوروبية الحضارات الإغريقية والرومانية والبيزنطية. ذلك أن الإمبراطوريات الثلاث كانت متعدّدة الثقافة والإثنية (ثمة مؤلف مهم نأمل عرضه قريباً عنوانه «التأثير السوري في الإمبراطورية الرومانية» ــ ز م).

من مصادر «الإلهام» للمهندسين الأوروبيين: الصخرة المشرفة في القدس المحتلة، و«كنيسة قلب لوزة» في جبل باريشا، و«كنيسة سمعان العمودي»


تستعين المؤلفة بكتابات العديد من المهندسين لدعم آرائها، ومنهم سير كرستفر رِن (1632 ـــ 1723) مهندس قبة «كاتدرائية القديس بول» في لندن» على سبيل المثال الذي كتب «الطراز القوطي وجب تسميته الطراز العربي/ الإسلامي حقاً»، وكذلك قول المهندس المعماري الفرنسي جاك فرانسوا بلُندل (1705-1774) المشيد بـ«البنى العبقرية للعرب»، مع أن كل من الكاتب والسياسي والدبلوماسي والمؤرخ الفرنسي شاتوبريان (1768-1848) والكاتب الألماني غوته (1749-1832) أعادا أسس الطراز القوطي إلى الغرب. وتمسك غوته بأنه يمكن العثور على تلك الأصول في أشجار الغابات الإسكندنافية (مع أنه كان من المعجبين بالإسلام، وهو أمر موثّق في مؤلفات مهمة تُرجم بعضها إلى العربية).
تلفت الكاتبة إلى محاولة بعض الكتاب الأوروبيين الاستعانة بالأطر المؤدلجة لحجب حقائق العلم المثبتة، ومن ذلك الجهد الكبير الذي بذله المرجع الفكتورياني الكبير جون رَسْكِن (1819-1900) في الالتفاف على حقيقة المصادر (العربية) الإسلامية لعمارة البندقية وأنّ تبنيها الطراز العربي/الإسلامي كان خياراً مرغوباً.
تستشهد المؤلفة كثيراً أيضاً بكلمات المهندس المعماري الإنكليزي كريستوفر رين، الذي كان مدركاً تماماً للأصول الإسلاميّة للعمارة القوطية والتقنيات الهيكلية التي كان يستخدمها لكاتدرائية القديس بولس في لندن، وكتب في القرن الثامن عشر أنّ العمارة القوطية الحديثة تتميز بخِفَّة عملها، والجرأة المفرطة في ارتفاعاتها، ورِقَّة زخارفها ووفرتها والمبالغة الخيالية فيها، مثل هذه المنتجات جيدة التهوية لا يمكن قبول أنها تنتمي إلى أصول العمارة القوطية. بدلاً من ذلك، خَلصَ إلى أن معالم العمارة الجديدة يمكن أن تُنسب إلى الموريسكيين (المسلمين المهجّرين من الأندلس) فقط، أو العرب، أي باختصار العمارة العربية/الإسلامية. كما ناقشت الكاتبة مسألة تقنية الهندسة المعمارية وتقنيتها، وتوضح أن العرب/المسلمين ابتدعوا طرقاً علمية لتنفيذ هندساتهم الجديدة، ومن ذلك ما يراه المرء في قبة الصخرة المشرَّفة في القدس الواقعة تحت احتلال العدو الصهيوني الاستعماري-الاستيطاني. فالمهندسون العرب/ المسلمون هم الذين ابتدعوا استخدام الحجارة صغيرة الحجم للوصول إلى مبان أعلى، وهذا التكنيك، وفق قول الكاتبة، كان حيوياً للانتقال من الكاتدرائيات الرومانـ(سـ)ـية إلى العمارة الجديدة. ذكّرت الكاتبة القراء بحقيقة أن المهندسين العرب في قرطبة الأندلسية (وليس في إسبانيا الإسلامية كما تقول ديانا دارك – ز م] طوّروا نهج عمل جديداً يتناقض مع رديفه الروماني القياسي كما فعل فِترُفيُس (81-15 ق ت ش) حيث استعملت الرياضيات لأخذ قياسات داخل كل عنصر منفصل من عناصر المبنى، سواء كان فناءً أو صالة أو غرفة رئيسة كبيرة. فالمقاربة الرومانية كانت الانتقال من الغرفة الأولى إلى التالية، وتكرار العملية لتحقيق التناظر داخل كل مساحة منفصلة. لكنّ معماريّي الأندلس في قرطبة استخدموا المثلثات المتساوية الأضلاع والهندسة لإنشاء شبكة مكانية تكون فيها الأجزاء جميعاً متساوية، وفي الوقت نفسه جزءاً من مساحة واحدة موحّدة ... هذا النهج شبه الثوري «يُنسب» إلى التقدم الكبير الذي تم إحرازه في مجال الرياضيات في بلاط بغداد خلال العصر العباسي الأول، المسمى الذهبي، حيث شجّع الخلفاء العباسيون المنح الدراسية تحت رعايتهم، وجذب العلماء والفلاسفة من المنطقة بأكملها، بغضّ النظر عن العرق أو الدين.
لا تقصّر الكاتبة تقصيها المثابر على أشكال المباني العامة فقط، ذلك أنها تولي الاهتمام الموسع لتفاصيل الأشكال المعمارية القوطية المأخوذة من العمارة العربية-الإسلامية، وهي: القوس المدبب والقوس الثلاثي الفصوص، ونافذة الورود، والبرجان التوأمان، والأقواس الحجرية المدببة، والأقبية المضلّعة المرتفعة، والهيكل المضلّع، والنوافذ الزجاجية الملوّنة، وغيرها.
ومن المباني التي ترى الكاتبة أن تصاميمها مأخوذة من سلف عربي وعربي-إسلامي، «كاتدرائية نوتردام»، و«قصر وستمنستر» في لندن، و«كاتدرائية شارتر» في فرنسا، و«كاتدرائية سان مارك» في البندقية، وأبراج قاعة مدينة فلورنس التي تحوي أبراجاً نسخة عن مآذن الجامع الأموي في دمشق، و«كاتدرائية القديس مرقص كامبانيل»، وقصر حاكم البندقية المنتخب (Doge)، و«جسر التنهدات» (Ponte dei Sospiri)، وجميعها في البندقية، و«كاتدرائية ستراسبورغ»، و«كاتدرائية آخن» في ألمانيا، وبرج كنيسة مسكيتا «المسجد» في قرطبة، و«كاتدرائية برجوس» في إسبانيا، و«ساغرادا فاميليا» في برشلونة، و«دير خيرونيموس» في البرتغال، وبرج ساعة بغ بن في لندن، و«كاتدرائية سان بول» في لندن، ومبنى البرلمان الإنكليزي، وغاليري الفنون التابع لجامعة يال في الولايات المتحدة... و«كاتدرائية القديس يوحنا» في حي مانهاتن في نيويورك، ومبنى الكابيتول في واشنطن. كما يعثر على آثار العمارة الهندسية العربية والعربية/الإسلامية في أميركا اللاتينية التي انتقلت إليها عبر الغزاة الإسبان الذين نقلوها معهم من الأندلس.


بعض المباني العربية والعربية-الإسلامية التي كانت مصدر سرقة وإلهام للمعماريين والمهندسين الأوروبيين ــ دوماً بحسب الكاتبة ــ هي الصخرة المشرفة في القدس المحتلة، و«كنيسة قلب لوزة» في جبل باريشا، و«كنيسة سمعان العمودي»، وكلتاهما تقعان في شمال غربي سوريا، إضافة إلى كنائس درعا وبصرى الشام وحلب، وغيرها.
أحد أمثلة السرقة «الطريفة» التي ذكرتها الكاتبة أن الصليبيين نسخوا في أنماط كوفية زائفة، النقش العربي في قبة الصخرة، التي ظنوا عن جهل أن المبنى هو هيكل سليمان [!]، الذي يوبخ المسيحيين للإيمان بالتثليث بدلاً من التوحيد، ووضعوه في كنيسة نوتردام!
الكاتبة لا تقصر تقصّيها العلمي على الأشكال الهندسية العامة وبعض التفاصيل الهندسية فقط، إذ إنها تذكّر بأبحاث المؤرخة المعمارية الإنكليزية دِبُرا هوَرد، وتبيّن أنّ تصميم مدينة البندقية، بممراتها المتعرّجة الضيقة والمنازل ذات الفناءات والشرفات على الأسطح، عربيٌّ بامتياز، وهي بعض ثمار رحلات تجار البندقية إلى مصر وسوريا وفلسطين وبلاد فارس. في الوقت نفسه، تلفت إلى «سرقة» الغرب «المسيحي» العمارة المملوكية والعثمانية.
تستدرك الكاتبة وتنفي قصدها القول بأنّ الطراز القوطي لم يكن أكثر من استنساخ للطراز العربي/ الإسلامي، وإنما لفت الانتباه إلى حقيقة أن الابتكارات الهندسية المعمارية لم تنتم إلى الغرب المسيحي، وإنما جاءت تكيّفاً مع اختراعات نشأت خارجه.
وتوضح الكاتبة أن مؤلفها أيضاً جهد ضد دعاوات وادعاءات في عدد لا يُحصى من حسابات مواقع التواصل الاجتماعي التي تروّج لرسائل تَفَوُّق البيض، متخفِّيةً خلف «تقدير التراث». لكنّ مؤلفها يخرج بنتيجةٍ علميةٍ مختلفة هي أنّ معالم العمارة الأوروبية الأثرية المثالية في نظر اليمين المتطرِّف، لها جذورها في الثقافة ذاتها التي يشكّكون فيها (أي: في العمارة الإسلامية).
ختاماً، أسمح لنفسي الاستعانة بتصرف باقتباس من المؤلف يلخص جانباً مهماً من أطروحات الكاتبة: «العمَارة المسيحية الأصلية الأولى لم تولد في روما وإنما في الشرق البيزنطي في القرون: الرابع والخامس والسادس، عندما كانت سوريا ومصر وبيزنطة مراكز العالم المتحضّر. ومع تراجع الغرب اللاتيني تماماً ومعاناة أوروبا من الاضطرابات الاجتماعية والهجرة والحكم غير المستقر، نظر الأوروبيون إلى الشرق بحثاً عن الإلهام في فنونه وهندسته المعمارية. فعلى سبيل المثال، ذكر القديس أدُمنان (St Adomnán, 521-597) رئيس دير إيونا (abbot of Iona Abbey) وكاتب سيرة مؤسس الدير، أن الرهبان الإيرلنديين ذهبوا إلى سوريا للتعرّف إلى فن العمارة الرهبانية. أما القديس لورَنس سِبونتو (Laurence of Siponte) أسقف سِبونتو الواقعة في جنوب شرقي إيطاليا، فكتب إلى إمبراطور الإمبراطورية الرومانية الشرقية زينو (Zeno) طالباً منه السماح بإرسال فنانين لتزيين كنائس الفيلا الأسقفية. في تلك القرون المبكرة، وُجدت آثار وهياكل جنائزية في مختلف أنحاء بلاد الغال تُظهر تأثيراً واضحاً، ومنها شاهد قبر أسقف قربنطرس (Bothius, Bishop of Carpentras) الواقعة في جنوبي فرنسا.
مؤلف مهم ومثير للغاية.

* Stealing from the Saracens: How Islamic Architecture Shaped Europe - HURST & CO. PUBLISHERS 2020