اضطّر منظّمو «مهرجان بيروت للأفلام الفنية الوثائقية BAFF» العام الماضي، إلى تأجيل فعالياته بسبب المظاهرات والاحتجاجات في المناطق اللبنانية. لم تكن الظروف يسيرة هذه السنة أيضاً لإقامة المهرجان في توقيته المحدّد، أو حتى في إقامته بالمطلق، في وقت أُلغيت فيه فعاليات فنيّة وثقافيّة بسبب ظروف الوباء وإجراءاته، وانتقلت أخرى إلى الفضاء الافتراضيّ في لبنان والعالم على السواء. التحدّي الأساسي بالنسبة إلى المنظّمين، تمثّل في إقامة الدورة السادسة من المهرجان رغم الظروف الصحيّة والاقتصادية في البلاد.


مشهد من فيلم الافتتاح «تاسعة بيتهوفن - سمفونية العالم»

هكذا أُعلن أخيراً عن الموعد، ضمن فعاليات محدودة تقتصر على عروض في «مسرح مونو» (مونو – بيروت)، تنطلق عند الرابعة من بعد ظهر اليوم وتستمرّ حتى التاسع من كانون الأوّل (ديسمبر). فضلاً عن حصر العروض في بيروت وإلغائها في المناطق اللبنانية الأخرى التي احتضنت بعض العروض في السابق، انخفض عدد الأفلام المعروضة. في السابق اتّسع البرنامج لحوالى 50 فيلماً فنيّاً من حول العالم، بينما وصل هذه السنة إلى 19 من أحدث الأفلام الوثائقية وروائية، حول مجالات فنية مختلفة مثل الموسيقى والرقص والفنون البصرية والعمارة والأدب.
البداية عصر اليوم مع الموسيقى (راجع مقال الزميل بشير صفير)، في عرض شريط «تاسعة بيتهوفن - سمفونية العالم» على أن يتبعه فيلم آخر عن المؤلّف الألماني وسيمفونيته التاسعة. يستعيد المهرجان سير وروائع عصر النهضة مثل ميكلانجلو ورافاييل، فيما يتنقّل بين جدران وأبعاد العمارة المقدّسة في العالم. وانطلاقاً من بعض اللوحات، تمرّ الأفلام على محطّات سياسيّة وحروب، كما في الأحداث الدموية خلف لوحة رونوار للطفلة ذات الشريط الأزرق. لناحية الأساليب، ثمّة تحدّيات كثيرة أمام المخرجين، خصوصاً لنقل الروائع الفنيّة البصريّة والراقصة والموسيقيّة إلى الشاشة.
فيلم نيكولا الخوري تحية للعاصمة بعد انفجار الرابع من آب من خلال كلمات الشاعرة والفنانة إيتل عدنان

هكذا تخلّى بعض الأعمال عن اللغة التسجيليّة، فيما وقع الخيار الإخراجي على تقنية 3D لرسم بورتريه متحرك لأشهر مجدّدي الرقص الأميركي الحديث ميرس كننغهام. في مجال الرقص، نشاهد أيضاً سيرة بديلة لرقص الجاز، محفوفة بمشقّات العبودية في أميركا. هناك أيضاً محطّات أدبيّة مع الروائيّة الأميركيّة توني موريسون، ومع بطل رواية «الهاوية» للروائية البلجيكية مارغريت يورسينار. هناك فيلم لبناني واحد على البرنامج هو «امرأة ومدينة» لنيكولا الخوري، سيُعرض في مواعيد مختلفة طوال المهرجان. لا معلومات وافرة حول الشريط القصير (أُنتج بدعم من السفارة الأميركية في لبنان وغاليري «أليس مغبغب») سوى أنه يبدو تحيّةً لبيروت بعد انفجار الرابع من آب من خلال كلمات الشاعرة والفنانة إيتل عدنان. هنا، اخترنا هنا مجموعة من أبرز أفلام المهرجان.

* الدورة السادسة من «مهرجان بيروت للأفلام الفنية الوثائقية»: الرابعة من بعد ظهر اليوم حتى التاسع من كانون الأوّل (ديسمبر) ــ «مسرح مونو» (مونو – بيروت). للاستعلام: [email protected]

* للاطلاع على البرنامج الكامل: أنقر هنا



من البرنامج

Raphael Revealed
فيل غرابسكي
7/12 – س: 18:30



بالتزامن مع الذكرى الـ 500 لوفاة الفنان الإيطالي رافاييل (1483 – 1520)، احتضنت Scuderie del Quirinale في روما، المعرض الأكبر في تاريخه جامعة 200 لوحة للفنان الراحل للمرّة الأولى. غير أن المعرض افتُتح قبل أيام معدودة من الإغلاق الكلّي في إيطاليا بسبب جائحة كورونا، ما أعاق كثيرين من زيارته رغم أنه استمرّ حتى شهر آب (أغسطس) الماضي. قد يكون Raphael Revealed للمخرج الأميركي فيل غرابسكي، فرصة استثنائية لمشاهدة المعرض الضخم، عبر صور ومشاهد حصريّة من التحضير الضخم. عرض بيروت هو جزء من العروض الأولى للشريط (88 د - 2020) الذي افتُتح بداية هذا الشهر. من أسطح اللوحات والاسكتشات، ينتقل غرابسكي إلى سيرة أهم تجارب النهضة الإيطاليّة، يمرّ على طفولته، لكنه يركّز على العقد الأخير من حياته القصيرة الذي شهد إنتاجاً فنياً غزيراً، حيث قضاه في روما في عمله كفنان ومعمار لدى البابا. علماً أن الشريط هو جزء من سلسلة وثائقية يُنجزها غرابسكي عن فناني عصر النهضة، ضمن مشروع أكبر «معرض على الشاشة» الذي ينطلق من اللوحات والأعمال الفنية إلى السيرة الذاتية للفنان.


«عمارة المطلق»
كريستوف شاوب
6/12 – س: 16:15



في أعماله التسجيليّة، ظلّ كريستوف شاوب يعمل على مواضيع العمارة وإشكالياتها وأبرز وجوهها مثل شريطه عن المعمار الإسباني سانتياغو كالاترافا سنة 2000. المخرج السويسري كريستوف يحاول أن يستعيد مشاعر الطفولة ورهبتها داخل الأماكن المقدّسة، في آخر أعماله «عمارة المطلق» (86 د – 2018). يسعى شاوب إلى فهم تلك الرهبة الطفولية من خلال بعض التساؤلات الأوّليّة حول معنى المكان المقدّس، وتأثيرات عناصر الفضاء والضوء والوقت والأشكال، والإيقاع.
أسئلة يتشاركها مع بعض الفنانين والمعماريين العالميين مثل المهندس السويسري بيتر زومثور والبرتغالي ألفارو سيزا، وآخرين ممن يلتقيهم في الشريط. بموازاة المقابلات، هناك اشتغال بصريّ مكثّف على الأمكنة المقدّسة القديمة والمستقبلية التي تجول فيها عدسة شاوب، بين جدرانها وعناصرها وأشكالها المختلفة. كأنما عدسته تسعى إلى تظهير تلك المساحة الروحية في العناصر الماديّة الملموسة، باستخراج أبعاد لا نهائية منها.

«كننغهام»
ألا كوفغان
5/12 – س: 18:15



ليس هذا الفيلم الأوّل عن الراقص والكوريغراف الأميركي ميرس كننغهام (1919 – 2009)، إذ أن كاميرات نقلت تجربته الشاقّة التي جعلته أحد الوجوه الثورية في المشهد الراقص الأميركي والعالمي. في وثائقي «كننغهام» (93 د – 2019)، ترجع المخرجة الروسية الأميركية ألا كوفغان إلى تلك السيرة الطويلة التي بدأت في نيويورك، قبل تأسيسه فرقة باسمه سنة 1953.
قلبت التصميمات الرائدة لكننغهام الكثير من مفاهيم الرقص السائدة في ذلك الوقت، في انفتاح عروضه على الفنون الأخرى منها الموسيقى مع شريكه الموسيقى جوني كيج، والفنون الأخرى كما في تعاونه مع الفنان آندي وارهول. في عملها على الحركة والرقص والمكان، أنجزت المخرجة فيلمها بتقنيّة 3D، على غرار الشريط الذي أخرجه الألماني فيم فيندرز عن بينا باوش. اختارت أبرز رقصاته وتصميماته التي نراها من خلال المقاطع الأرشيفية لكننغهام وأخرى حديثة يؤديها بعض الراقصين
الحاليين.


The Pieces I Am
تيموثي غرينفيلد ــ ساندرز
8/2 – س: 18:00



قبيل رحيلها العام الماضي، قرّر تيموثي غرينفيلد ــ ساندرز أن يكتب قصّة توني موريسون (1931 – 2019) في شريطه الوثائقي The Pieces I Am («القطع التي تشكّلني»/ 120 د – 2019). المخرج والمصوّر الأميركي الذي اعتاد أن يصوّر الوجوه في بورتريهاته، يعمل طوال ساعتين على تركيب وبناء صورة شاملة للروائية الأميركية السوداء من خلال أشهر أعمالها الروائية وأبرز محطّات حياتها. يستعيد الأخير مشاهد من مقابلات الروائية الحائزة «نوبل للآداب» (1993)، ويغطي بعض الجوانب من حياتها الطويلة منها نضالها المستمرّ لنيل السود حقوقهم في أميركا. نرى جولتها خلال السبعينيات مع محمد علي كلاي، وتسلّمها منصب محرّرة الروايات كأول أفريقية أميركية في دار «راندوم هاوس»، ووقوفها في الصفوف الأمامية في التظاهرات إلى جانب أنجيلا ديفيس التي تقدّم شهادتها عن موريسون في الشريط. هناك شهادات لأوبرا وينفري، وهيلتون آلز وآخرين، فيما تتحدث موريسون الثمانينية عن حياتها ورواياتها منها «العينان الأكثر زرقة»، و«سولا»، و«أغنية سالومون».

«الفتاة ذات القرط اللؤلؤي»
ديفيد بيكرستاف
6/12 – س: 18:15



يحمل فيلم «الفتاة ذات القرط اللؤلؤي» اسم اللوحة الأشهر للفنان الهولندي يوهانس فيرمير (1632 __ 1675) الذي وجّه إليه المهرجان تحيّة قبل عامين، حيث عُرض هذا الشريط أيضاً. لطالما شغلت لوحة «الفتاة ذات القرط اللؤلؤي» (1665) النقّاد والمؤرخين، في محاولاتهم التعرّف إلى هويّة الفتاة وعلاقتها بفيرمير، وبعض الألغاز الأخرى التي لا تزال تحيّر المتخصصين. بدوره يبدو المخرج البريطاني ديفيد بيكرستاف في شريطه (90 د – 2015) مشغولاً بهذه الأسئلة، وبسحر اللوحة التي أطلق عليها اسم «موناليزا الشمال»، ولا تزال تعدّ أعظم الأعمال الأوروبية الزيتية خلال القرن السابع عشر. يبدأ الشريط من جولة اللوحة العالميّة قبل سنوات، والتي استمرّت عامين في تنقّلها بين اليابان والمدن الأميركية، قبل أن تعود إلى «متحف ماورتشهاوس» في لاهاي، التي انضمّت إليه عام 1902. نرى ذلك السيل البشري الهائل الذي قدم لرؤية اللوحة، قبل أن يلقي المخرج نظرة مقرّبة عليها وعلى تفاصيلها من خلال لقاءات مع بعض الخبراء.

«رونوار والفتاة الصغيرة ذات الشريط الأزرق»
نيكولا ليفي - بيف
6/12 – س: 15:00



سنة 1880 طلب المصرفي اليهودي لوي كاهن دانفير من الفنان الفرنسي أوغست رونوار أن يرسم بورتريهاً لابنته ايرين في اللوحة التي عُرفت لاحقاً بـ «الفتاة الصغيرة ذات الشريط الأزرق» في إحالة إلى الشريط الأزرق في شعرها. هذه القصّة المختصرة للوحة الشهيرة، لكن «رونوار والفتاة الصغيرة ذات الشريط الأزرق» (52 د – 2019) للمخرج نيكولا ليفي – بيف يحاول الكشف عن سرديات سياسية وعائلية وطبقية أخرى للعمل الشهير. يتبع الفيلم خطين سرديين مأساويين. إذ يوغل في مصير الفتاة نفسها وحياتها العائلية المأسوية التي ارتبطت بدورها بأكثر الأوقات قتامة في تاريخ أوروبا. اللوحة التي تقبع حالياً في مدينة زوريخ، سُرقت خلال الحرب العالمية الثانية سنة 1941 من قبل النازيين في باريس، من منزل ابنة ايرين بياتريس التي تمّ اقتيادها مع زوجها وعائلتها إلى معسكر أوشفيتز حيث قتلوا هناك، قبل أن تعود اللوحة لتظهر مجدّداً سنة 1946.


«اقتلاع- قصّة رقصة الجاز»
خديفة وونغ
5/12 – س: 16:15



تكتب الراقصة والمخرجة البريطانية خديفة وونغ تاريخاً بديلاً لرقص الجاز في فيلمها «اقتلاع- قصّة رقصة الجاز» (94 د – 2019). بصرياً، يتنقّل الفيلم بين مقابلات مع راقصي ومصممي الجاز الحاليين حول العالم وبعض الأكاديميين، ومشاهد راقصة، وأخرى أرشيفية تستعيد السياقَين التاريخي والثقافي لتلك الرقصة. تستكشف وونغ جذور تلك الرقصة وتطوّرها على مدى قرون، بعيداً عن الروايات الرسمية التي همّشت مؤسّسيها من الأفارقة الأميركيين. ترتبط الرقصة بشكل أساسي بتجربة الأفارقة ومعاناتهم الطويلة في الولايات المتحدة بعد اقتلاعهم من بلدانهم. يرجع الشريط إلى فترة العبودية، أي حين تحوّل الرقص إلى لغة تعبير أساسية لديهم أمام قمع وسائل التعبير الأخرى. وفيما تعرّض هذا النمط الراقص لاستلاب طويل، بربطه ببعض الرجال البيض، إلّا أن المخرجة تظهّر بعض وجوهه المنسية السوداء مثل كاثرين دنهام وفريد بينجامين وآخرين، ممن غيّبوا.

«خطيئة»
أندريه كونشالوفسكي
9/12 – س: 18:00



اختار المخرج الروسي أندريه كونشالوفسكي، أحد أبرز المراحل من حياة ميكلانجلو (1475 – 1564) في فيلمه الجديد «خطيئة» (134 د – 2020). الفيلم ليس وثائقياً، بل سيرة سينمائية لأعظم نحّاتي ومعماريي عصر النهضة في إيطاليا. يتتبع كونشالوفسكي الرحلة الشاقّة التي خاضها ميكلانجلو طوال أربع سنوات لإنهاء رسومات سقف كنيسة سيستينا في الفاتيكان، بطلب من البابا يوليوس الثاني الذي تشاء الأقدار أن يموت في ذلك الوقت. يخوض ميكلانجلو تجربة جديدة لبناء قبر البابا ومدفنه الذي استغرق العمل عليه أربعة عقود، أي إلى حين رحيله في روما سنة 1564. يستعيد الفيلم فترة بحث الفنان الإيطالي عن أجود أنواع الرخام في البلاد لإتمام بناء المدفن، بموازاة بعض العقبات السلطوية التي واجهته حينها، وجعلته عرضة للشكّ والهلوسة والمعاناة النفسية الطويلة التي امتزجت مع العبقرية الفنية لأعظم وجوه عصر النهضة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا